Published on صحيفة أوان (http://awan.com)
مقامة ..الهدية الرمضانية

Sunday, 7 سبتمبر 2008
فهيد البصيري

حدثني (علكة ابن سهم )عن( الدحداح ابن مرتاح )عن رجل مجهول الهوية: أن مواطنا من أهل الكويت يدعى( مسكين أبو النية مطية) قد تم استدعاؤه على عجل. لأمر جلل. فقد جاءه هاتف. من أخ له يدعى (ذالف)، حيث كان (ذالفا) في أوروبا يعمل في تجارة الجبن و المربى. وقد ابلغه أخوه.. لا فض فوه.. بأن وزير التجارة. أمضى الله قراره. قد أمر بهدية رمضانية. لكل مواطن جهارا وليست بالباطن. وأكد( ذالف) أن الوزير أعطاها الغني والفقير. وقد أوصى أخاه (مسكينا) بالذهاب فورا لأن المجتمع يغص بالذئاب.

ذهب صاحبنا مسكين يحدوه الأمل والحنين. ويمنّي قلبه بالهدية.. قبل ورود المنية.

هب (مسكين). هبة العقلاء المجانين. وكان معروفا بوقاره. من البعيد قبل أهل داره.

يقول مسكين: ولما وصلت لمركز التموين. رأيت العجب العجاب. وما يذهب بالصواب. فقد رأيت الناس. ولكنهم هذه المرة أكداس. وقد وقفوا في صفوف. تقدر بعشرات(الألوف). هممت بالدخول. ولكني أدركت أن ذلك غير معقول. فمن يستطيع المزاحمة. وهو لا يعرف القتال والملاكمة.

وفيما الناس على هذه الحال. إذ انفلت العقال. واشتد على الناس الأمر. وقالوا جاءنا الحشر.. فهلل الناس وكبروا واعتبروا واستغفروا .. وفيما هم بين اخذ وهات ..لا تسمع منهم سوى الآهات. وبين ساخط وعاتب . وخافض وراكب. حتى نادى المنادي أن حي على الفلاح. فاغتنمتها الجموع لترتاح. وبعد أن قضيت الصلاة عادوا كأنهم أعداء وبغاة. وطال الانتطار وتقطّعت دون الجموع الأنظار. حتى قلت في نفسي. مؤانسا يأسي. والله إنها لهدية عظيمة.. وفيها نصر وهزيمة!

وأطبق علينا المساء. والجميع مستاء. فصاح الناس أين البوليس؟ قبل أن يشمّر عن ساعده إبليس. فجاء البوليس على مهل. وكذلك يفعل أهل الحل والعقل. ولكنهم فُجعوا بالوضع.

الذي لا حل له سوى الكي أو القطع. فاستنجدوا بقوات الشغب. فمن يتعامل مع هذا الغضب؟

ولكنهم لم يصلوا، وربما بالشرطة لم يتصلوا!

فلما حرت بالوسيلة. لم يكن أمامي سوى الحيلة. فصحت بأحد العمال. وكان من البنغال. كان عاملا بسيطا في (التموين). وأحدّ من حدب السكاكين. وإذا تعقدت الأمور. فهو الآمر والمأمور.

فوعدته بالبخشيش إن جاءني (بالزاد والجريش). فانسر واستبشر. وقال من فوره: أبشر. وساومني مساومة الخبير. في أمر خطير. فنزلت عند طلبه. مخافة رفضه وغضبه. ومنّيته بكبر العطية مخافة أن يتأخر بالهدية.

دخل العامل بين الجموع. كأنه أسد في خفة جربوع. وجلست أفكر في نقل الهدايا. والتي لن تحملها المطايا.

فاتصلت على (المدام ) أبشرها بقرب الحصول على (الإيدام). وأوصيتها أن تستأجر (وانيتا). وأن لا تجادل في القيمة. فنحن على موعد مع هدية عظيمة.

ورفعنا أكفنا للسماء. ودموعنا تنزّ نزّ الماء. ودعونا للوزير. دعاء المستجير. بأن يرزق بعمارة. وأن يطول عمر الوزارة.

وبينما كنت أحسب الحسابات. كأنني بين حلم وسبات. وإذ بالعامل يقبل وفي يديه كيسان. يحملهما بكل خفة وإتقان.

اطلعت على ما في الأكياس. خشية الوقوع في الالتباس . وقلت: هل هذه عينات؟! وأين باقي الفئات؟ قال: بابتسام. لا يقوى عليه سوى اللئام. هذه هديتك. وعجّل بعطيتك. قلت: فلماذا إذن هذه الزحمة؟ قال: إنها لي ولأمثالي رحمة. وصعقت وبالكاد نطقت: وهل أنت صادق؟!

قال: وهل في البنغال كاذب ومنافق؟!

دفعت للعامل حقه من البخشيش. خوفا من الفضيحة والتشويش. ودفعت لصاحب الوانيت الأجرة. وأنا أغالب العبرة.

يقول مسكين: فرجعت مغبونا إلى الدارِ. كأنني سقيت (السم الهاري). وسردت على أم العيال القصة. وبعد كل عبارة أتجرع غصة. وهيهات هيهات.. فلسانها انعقد على كلمتين، اسكت وهات. وبعد صمت وذهول. صرخت في وجهي.. هذا غير معقول . فحلفت لها برأس الوزير. وبكل القوانين والدساتير. ولكنها أصرت على تكذيبي. وتجاوزت في تأنيبي!! قائلة: وكيف لهدية الوزير. أن تصبح(شروى نقير)؟! وكيف بالمواطن أن يهان؟ ومتى؟ في رمضان؟!

ولما رأى مسكين ما هو فيه من حال. وانقلاب الأحوال. أنشد بعض الأبيات علها تصل الإحياء والأموات.

وقال:

أطال الله في عمر الوزير ... وأبقاه على الكرسي الوثير

وأيده على استجواب عضو ... يفتش في الأمور عن المثير

أما يعلم وهل يخفى عليه ؟ ... بأن الناس في رغد وخير

فما تعني الهدية والعطايا؟ ... إذا كانت كما شروى نقير

أتبخل في ضحى شهر كريم ... يجود الناس فيه بالكثير

وتعلن في الصحافة كل يوم ... مفاجأة من النوع الخطير

وتكمن بعد ذلك في سكون ... سكون الطير في اليوم المطير

ذهبنا عند وعدك بالعطايا ... ولا في العير كنا والنفير

وعدنا نشتكي خفي حنين ... وكنا من هديتكم بخير

لعمري لم أرَ قبل وزيرا ... كريما مثلكم وبلا نظير

انتهت قصيدة مسكين ولكن المشكلة لم تنتهِ، فقد استمر بين الزوجين الشجار. وتناقلته المحطات والإخبار . وسمع به القاصي والداني. وفُسّر على جميع النواحي. حتى وصلني أمرهم. وما كان من الوزير ومنهم.

وها أنذا أقصصه عليك. لأنك داهية وواعي. وعندك حل مختلف الدعاوي. فما قولك في أمر الهدية. وهل تستحق كل هذه الجلبة والأذية.

كاتب كويتي

fahaid.albossairi@awan.com [1]



الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة
وظائف شاغرة -اتصل بنا - دليل هواتف أوان شركة حوار للإعلام
©2008 Hiwar Media Co 

 

Source URL: http://awan.com/node/110791

Links:
[1] mailto:fahaid.albossairi@awan.com