Published on صحيفة أوان (http://awan.com)
«فن الحكم».. دنيس روس منظّراً لـ«الليبراليون الجدد»

Sunday, 7 سبتمبر 2008
«أوان»

كتاب يجب أن يقرأه كل دبلوماسي ومهتم بالعمل السياسي الداخلي أو الخارجي. ليس اسم دنيس روس، المؤلف للكتاب، بالغريب على القارئ العربي، فهو الدبلوماسي الأميركي المخضرم الذي عمل مع عدد من الإدارات الأميركية المتعاقبة، مكلّفا ملف الشرق الأوسط، وخاصة الملف الفلسطيني، وراقب وشارك في الكثير من القرارات، ومنها قرارات تتعلق باحتلال وتحرير الكويت.

الكتاب هو «فن الحكم» صادر عن دار الكتاب العربي في بيروت العام 2008، ومترجمه هو هاني تابري، وكان قد صدر بالإنجليزية في العام 2007 بعنوان «statecraft» أي: فن إدارة الدولة. روس يعمل الآن باحثاً أول في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، وهو في الكتاب الذي يتكوّن من 416 صفحة مدعّمة بأربعة عشر فصلاً وخاتمة تلخيصية، يظهر ما سمّاه نماذج من فن إدارة الدولة. على رأس هذه النماذج؛ كيف قامت إدارة الرئيس بوش الأب بإدارة قضيتي توحيد ألمانيا واحتلال الكويت اللتين عالجهما الكاتب في فصلين مختلفين. كما تحدّث عن صدام وبوش الابن، وكيف تعامل الأخير مع تحرير العراق من النظام البعثي. إلا أن الأهم في الكتاب هو الدروس المستقاة من التجربة الطويلة في الأزمات المختلفة. إضافةً لكونه يعرض لما أطلق عليه المؤلف «فن التفاوض» من أجل تحقيق المصالح العليا للوطن.

يبدو من قراءة الكتاب أن روس يمهّد لظهور مدرسة سماها «الليبراليون الجدد» عوضا عن «المحافظون الجدد» الذين اتسمت بهم فترة حكم الرئيس بوش الابن. وفي التسمية تمهيد لفترة جديدة لحكم الليبراليين «الديمقراطيين»، كما يُفهم من السياق الذي يتحدث فيه المؤلف، وهو الآن من أهم مستشاري المرشح باراك أوباما الذي يعتقد البعض أنه قادم للبيت الأبيض.

يعتبر روس في كتابه أن الولايات المتحدة فشلت في صياغة إستراتيجية تفاعلية بعد الحادي عشر من سبتمبر، وأنها ظنت إمكانية أن تنتصر بشكل أحادي في حربها ضد الإرهاب والدول «المارقة»، فارتكبت بذلك أخطاء كبيرة كلّفت الاقتصاد الأميركي والقوات المسلحة الكثير من الأموال والأرواح. كما يعرض الكتاب لتجربة بوش الأب، وأيضا فترة كلينتون، فيشير إليها بأنها كانت «فترة شراكة مع الآخرين».

في موضوع اتحاد الألمانيتين (الغربية والشرقية) يعرض الكتاب إلى الجهود الضخمة التي بذلتها إدارة بوش الأب من أجل حمل كل من أوروبا والاتحاد السوفييتي على تقبّل اتحاد ألمانيا وانضمامها إلى حلف الناتو. ولاسيما أن البريطانيين والفرنسيين كانوا متخوفين من توحد ألمانيا بسبب الحروب التي شنتها في السابق كدولة موحدة في أوروبا (الحربين العالميتين الأولى والثانية)، في حين كان السوفييت متخوفين لأنهم بذلك يفقدون حليفهم الرئيسي (ألمانيا الشرقية)، وأيضا تنضم ألمانيا الموحدة إلى حلف عسكري معاد. لكن إدارة بوش الأب أقنعت السوفييت بأن ألمانيا الموحدة، إن لم تنضم إلى الناتو، فربما ذهبت إلى خيار التسلح النووي بنفسها، وفي ذلك خطورة كبرى على السلام. من جهة ثانية ساعدت إدارة بوش الأب الرئيس غورباتشوف وقتها، رئيس الاتحاد السوفييتي، على تخطي معارضيه في الداخل بتقديم المساعدات الاقتصادية الضخمة، وفتح باب التسهيلات الائتمانية الأميركية أمام احتياجات الاتحاد السوفييتي المدنية. وهكذا، من خلال عمل تفاعلي دولي مضنٍ واتصالات كثيفة استطاعت إدارة بوش الأب أن تصل في النهاية إلى مبتغاها، وهو توحيد ألمانيا وإدخالها في حلف الناتو، وكان ذلك عملا سياسيا كبيرا.

«مهووس التلفون» يتقارب مع الروس

في موضوع احتلال وتحرير الكويت عملت إدارة بوش أيضا بجد من خلال جهد دبلوماسي قاده وزير الخارجية آنذاك جيمس بيكر وبدعم من الرئيس نفسه. يروي دنيس روس أنه في الأيام القليلة لاحتلال العراق للكويت كان هناك اجتماع مقرر بين جيمس بيكر وشيفردنادزة وزير الخارجية السوفييتي، ولفت بيكر نظر الوزير السوفييتي إلى أن العراق يحشد ضد الكويت، وربما سيقوم بعمل عسكري، استمهل شيفردنادزة الحضور قليلا وخرج ليعود بالقول: إن جماعتهم على الأرض، (وكان الاتحاد السوفييتي حليفا للعراق وله آلاف الخبراء فيه). قال: إن جماعته على الأرض لا يعتقدون أن ثمة نية لعمل عسكري. بعدها بساعات احتلت جيوش صدام الكويت، فخاطب جيمس بيكر شيفردنادزة تلفونيا، وقال له: إننا كنا على حق. من وقتها اتخذ شيفردنادزة موقفا متصلبا من العراق نتج عنه البيان المشترك السوفييتي-الأميركي الذي يدين الاحتلال بتوقيع كل من وزير خارجية أميركا والاتحاد السوفييتي. كان هناك لوبي صدامي في موسكو، ولم يكن يروق لهذا اللوبي ما يفعله غورباتشوف وشيفردنادزة باتجاه التنسيق الدولي ضد الاحتلال، فضغطوا على غورباتشوف كي يرسل رسولا آخر إلى واشنطن أكثر تعاطفاً مع بغداد، هو المستعرب بريماكوف الذي عاش في بغداد فترة. ولكن تم إرسال رسالة غير رسمية من مساعد شيفردنادزة إلى الروس مفادها «أفشلوا مهمة بريماكوف» وإلا عاد إليكم وزيرا للخارجية. بالفعل فشلت مهمة بريماكوف في واشنطن، ثم تم التنسيق بين العاصمتين على أعلى مستوى. هذا التنسيق هو الذي يعتقد دنيس روس أنه إجراء استراتيجي قامت إدارة بوش الأب بتنفيذه، ليس مع الاتحاد السوفييتي فقط، وإن كان مهمّاً، ولكن أيضا في الأمم المتحدة وفي الدول الكثيرة التي زارها جيمس بيكر وزير الخارجية آنذاك، والذي جال في عواصم العالم، حتى إنه زار في تسعة أيام إحدى عشرة عاصمة، عدا المكالمات التلفونية التي أجراها الرئيس بوش الأب نفسه مع الزعماء والقيادات، حتى قيل عنه كما يكتب دنيس روس إنه «مهووس التلفون!».

تحرير الكويت لم يكن باهظاً أميركياً

تركيا كانت واحدة من الدول التي تحدث بوش الأب مع رئيسها عدة مرات إلى درجة أن أوزال، رئيس الجمهورية التركي وقتها، كان يستخدم عبارة «صديقي» في حديثه عن الرئيس بوش الأب لكثرة الاتصالات معه. على العكس من ذلك في حرب بوش الابن على العراق لتحريرها، لم يتصل الرئيس الأميركي، على أعلى مستوى، بالأتراك رغم أهمية الجبهة التركية للمجهود الحربي، ففشل التصويت في البرلمان التركي بثلاثة أصوات فقط لمنع استخدام الأراضي التركية في الحملة العسكرية على العراق، رغم أهميتها للمجهود الحربي الأميركي في عام 2003.

هذا المثل يسوقه روس لإعطاء تصوّر واضح عن أهمية العلاقات الدولية والتواصل الدولي وعملية الإقناع، وأيضا عن مساعدة الحلفاء المحتملين على اتخاذ قرارات تساعد على إنجاح الأهداف المراد تحقيقها في السياسة الخارجية، من خلال التفاوض والإقناع، ومن خلال المساعدات المالية المباشرة، ولا بأس بإظهار المخاوف والأخطار المحتملة عليهم إن لم يقوموا بما يتوجب القيام به. ليس ذلك فقط فدنيس روس في كتابه يقول لنا إن حرب تحرير الكويت، على ضخامة ما أنفق فيها، لم تكلّف الخزينة الأميركية إلا القليل، لقد تمت تغطية التكلفة من السعودية والكويت وألمانيا واليابان، في الوقت الذي استنزفت حرب العراق الخزينة الأميركية.

الكتاب ممتع يتحدث عن استخدام أدوات الحكم الحديثة، وهي الوصول إلى: وفاق دولي، وبناء الثقة، وعلاقات الـ«وجهاً لوجه» في المتابعة والتخطيط. ولكن ليس هذا كل ما جاء في الكتاب، فهو يؤسس أيضاً لمستقبلٍ للعلاقات مع إيران ودول الشرق الأوسط وأوروبا الجديدة.



الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة
وظائف شاغرة -اتصل بنا - دليل هواتف أوان شركة حوار للإعلام
©2008 Hiwar Media Co 

 

Source URL: http://awan.com/node/110783