Published on صحيفة أوان (http://awan.com)
وصية «حنا مينه»

Sunday, 7 سبتمبر 2008
صلاح دبشة

مرت بي شوارد واستيهامات وأخيلة، حين قرأت وصية الروائي الكبير «حنا مينه» الذي ولد في اللاذقية عام 1924م، وقد نشرها في الصحف السورية بتاريخ 17/8/ 2008م، ومما قاله فيها: «وقد عمّرت طويلاً حتى صرت أخشى ألا أموت، بعد أن شبعت من الدنيا»، وأطل من هذه العبارة زهير بن أبي سُلمى :

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش

ثمانين حولا لا أبا لك يسأم

وتساءلت «هل هناك سأم مشترك تجاه الحياة بعد الثمانين بين البشر، والأدباء على وجه الخصوص؟»، ولسذاجة هذا السؤال لم أفكر فيه طويلا، مع أن فيه فكرة عميقة، واتجه تفكيري إلى الفارق بين الاثنين، فـ «حنا مينه» كتب وصيته خارج النص، بينما «زهير» تكلم داخل النص، وهذا الفارق في ذاته لا يقوم على تفاصيل واضحة بقدر ما يختزل الموقفين في تناقض حاد.

لن يعتب أحد على «زهير» بسبب كلمته تلك، بل إن بيته الشعري صار يراوح عبر الزمن بين الحكمة والمثل والقول المأثور، حتى إن الخيالات والصور التي يرسمها البيت عن حال «زهير» لا تحمل نقائص أو انتقادات بحقه بقدر ما تعطيه مسحة من الوقار، وكنت من أيام الدراسة أتصور – كلما سمعت البيت – شيخا يرتدي العمامة ويرشف من قربة ماء في صحراء واسعة وخلفه مضارب قومه، ثم ينظر متأملا في الأفق، وصروف الزمن وذاكرة الحياة تمر في خياله، هذه الصورة التي ساهم النص في إضفاء الجماليات عليها من جهة، ومنع الخيال من الانحدار بتفاصيلها من جهة أخرى، قد تحطَّم وتشوَّش لو أن «زهيرا» تحدث خارج النص، لأن واقعيته ستكون باهتة، من حيث إننا لا ننفك عن تذكر إبداعه الأعلى تمثيلا لفكره ومشاعره وحالاته، وكم من الأدباء المبدعين نجدهم أقل مستوى من إبداعهم حين يتكلمون أو يمارسون حياتهم الاعتيادية، أو حين يكتبون خارج النص كردود أفعال أو كانعكاسات لتأثيرات وظروف معينة.

إن «حنا مينه» فتح على نفسه الأبواب من كل جهة، باب يدخل منه المتعاطفون، وباب يطرقه المتسائلون، وباب يدلف منه المشككون، وأبواب لا تنتهي تصب موجات من أصحاب المواقف المختلفة تجاه الوصية، تلك التي جاءت تقليدية تشف عن ضيق من الواقع وحزن في النفس وهروب من الحياة ورفض للتأبين المفتعل، حتى إن البعض ربطها بصدى موت الشاعر «محمود درويش»، فمنهم من قال إنها ردة فعل مغايرة، ومنهم من تساءل «هل يريد حنا مينه أن يرى صدى موته في حياته؟».

يبقى «حنا مينه» كبيرا، ورغم أن وصيته جاءت عادية جدا، وتعبر عن شيء أقل من «حنا مينه» ذاته، إلا أن إرثه الأدبي يجعلها تستبطن ثورة خافتة على تقاليد ثقافية وعادات اجتماعية، وتحرك في ذهنك شوارد واستيهامات وأخيلة.. ففيها لحظة انكسار «غريب»، ألبير كامو حين فكر في استئناف حكم الإعدام، وشيء من «آلام فيرتر» لغوته، وطيف من أحلام «دون كيخوته» لسرفانتس.

salah.dabsha@awan.com [1]



الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة
وظائف شاغرة -اتصل بنا - دليل هواتف أوان شركة حوار للإعلام
©2008 Hiwar Media Co 

 

Source URL: http://awan.com/node/110781

Links:
[1] mailto:salah.dabsha@awan.com