الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة |
ظهر الشرق، في المخيلة الغربية، بوصفه فضاء مغامرة، وتجارة، واستكشاف -ومثال ذلك رحلات ماركو بولو- ثم، وبسبب جملة من التطورات الثقافية والاجتماعية والسياسية في الغرب، سرعان ما أصبح الشرق أرض أحلام، وغرائب، وسحرا، ومغامرات، ومطامح، إلى أن انتهى بأن يكون أرض استثمار.
أصبح الشرق بالنسبة لكثير من الغربيين «يوتوبيا»
لا توجد إلا في المخيلة الغربية. وكان «الاستشراق» هو الحبل السري الذي غذّى الثقافة الغربية بصورة الشرق المركبة طبقاً لشروط الاستشراق ومعاييره، بحيث أصبحت «المعرفة الاستشراقية» العنصر المهيمن في علاقة الشرق بالغرب، وفي مرحلة لاحقة، أصبحت تلك المعرفة، إحدى المرجعيات الأساسية في «معرفة» الشرق لنفسه، فدخلت نسقاً ثقافياً في صميم الثقافة الشرقية، إذ لم يعد الشرقي يفهم نفسه وتاريخه إلا بوساطة المعرفة الاستشراقية.
ليس المهم تحليل الظاهرة الاستشراقية بوصفها مجموعة معطيات متحققة كالرحلات الوصفيّة، والتحقيقات، والتعريفات، إنما المهم تحليل «الفعاليّة الاستشراقية» بوصفها ممارسة عقلية غربية، كشفت مظهراً من مظاهر «العقل الغربي» في إعادة صوغ «الشرق» على وفق رؤية محددة، وعبر منظور خاص؛ فللاستشراق فلسفته التي استمدها من بنية الثقافة الغربية التي ترتب الأمور، أو تعيد ترتيبها، بما يوافق منظور العقل الغربي.
وينبغي التأكيد على أنّ النشاط الاستشراقي، ليس فعلاً مجرداً عن مضامينه الغربيّة، وخلفياته الثقافية، وهو ليس فعل أفراد دفعهم «حب المعرفة» لجعل الشرق موضوعاً غربيّاً، إنما هو ضرب من الممارسة الفكرية التي اقتضتها حاجة العقل الغربي، وتحيزاته، لأن يشمل بـ«كلّيته» المعطيات الثقافيّة لـ«الآخر الشرقي»، وإعادة إنتاجها، بما يجعلها تندرج ضمن سياقات المركز الغربي، وهو يفكّر، ويتفكّر، في شؤونه وشؤون غيره.
تقبع خلف النشاط الاستشراقي الموجّهات الثقافية التي دفعت به إلى الظهور، وهي منظومة رؤى ومواقف ودوافع، شكلت«فلسفة الاستشراق» واستقامت، بوصفها معطى من معطيات الممارسة العقلية الغربية التي قامت بترتيب شؤون الآخر على وفق أنساق عقلية غربية، وفيما كان موضوع الاستشراق «هامشاً» كان الموجّه «مركزاً». ولذا أُنتزع الشرق، الذي هو موضوع الاستشراق، من بنيته الثقافية، وأُعيد إنتاجه غربيّاً؛ ليوافق إستراتيجية المركز الموجّه، وليكون جزءاً من آليّة عمله، فاكتسب أهميته التاريخيّة، لأنه تجلٍّ من تجليات العقل الغربي، وممارسة من ممارساته الخاصة.
الاستشراق معطى غربي، ووسيلة من وسائل الثقافة الغربية الإمبراطورية في توسيع الأفق الإيديولوجي، والاستحواذ على ثقافة الآخر، وإذا عرّضت نتائج الاستشراق لتحليل واستنطاق، سيتضح أنه بوساطة الاستشراق، بدأت الثقافة الغربية تقترح على نفسها موضوعات تسوّغ من خلالها رؤيتها المتعصّبة للشرق، فبدأت باختلاق موضوعها، تبعاً لحاجاتها، وليس لمقتضيات الموضوع الشرقي، ولم يعد للشرق وجود عياني، إلاّ بوصفه مكوناً خطابياً غربياً.
أحدث الاستشراق ضررا بالغا بالثقافات الشرقية الأصلية فقد كان ممارسة وخطاباً ينكفئ على نفسه، ويرتد إلى ذاته في حركة محورية، لا تفارق المركز الذي تصدر عنه، فالاستشراق وهم ثقافي اختلقه الغرب، ليرى صورة لهويته فيه، وليجعل من الشرق غرباً مصنوعاً بوسائل خطابية، وكل هذا أوجب أن يتصل «شرق» الاستشراق، بهوية الغرب الثقافية، وأن يتنفس في الدائرة الحضارية المغلقة التي كونها الغرب لنفسه، فكأن الغرب مرآة، لا يراد للشرق إلاّ أن ينعكس فيها، ولكن بملامح غربية خالصة.
قال جيلبير دوران بأنّ الحضارة الغربية في لجوئها للشرق كانت تبحث عن إعادة لتوازنها الإنساني المفقود، والاستشراق هو الوسيلة الأهم في تحقيق ذلك التوازن، ومع أنّ هذا الرأي لا يمكن أن يفسّر لوحده هذه الظاهرة الثقافية-الإيديولوجية، بسبب وجود أهداف سياسية ودينية واقتصادية، إلا أنه يندرج ضمن الأسباب الثقافية الداخلية المتصلة بالحضارة الغربية، فقد اعتبر الشرق «يوتوبيا» صنعها الغرب لممارسة نوع من التخيّل في فضاء غريب.
غذّى العصر الحديث من أهمية هذه «اليوتوبيا» بسبب شيوع «التفكير العقلي المحض» الذي اختزل التفكير إلى فعل عقلاني ذي بعد واحد. ومعروف أن «ديكارت» الذي تنسب إليه الفلسفة الغربية مهمة تدشين الممارسة العقلية في العصر الحديث، كان يحذّر من«المخيلة» لأنها عنصر يشوش على عمل العقل، لذلك يتعيّن إقصاؤها من عملية المعرفة، لأن المعرفة فعل عقلي خالص يتخذ من مبادئ العقل منطلقه ومرجعه. وجاراه في ذلك فلاسفة التنوير، وسرعان ما انتشرت في الغرب «إيديولوجيا عقلانية» جعلت من العقل بمعناه المجرد المصدر الوحيد للمعرفة، فظهر الشرق وكأنه منشط للمخيال الغربي لإعادة التوازن المتخلخل في عمق الثقافة الغربية الحديثة.
كاتب من العراق