Published on صحيفة أوان (http://awan.com)
وكان أولمبياداً خالياً من السياسة

الخميس, 28 أغسطس 2008
منصور مبارك

الآن وقد انطفأ وهج أولمبياد بكين، يبدو أن من كانوا يبتغون من ذلك الحدث الأممي أن يكون بمنزلة فسحة يبسطون من خلالها أحوال حقوق الإنسان والديمقراطية في ذلك البلد العملاق، قد خرجوا صفر اليدين دون ميداليات تشير إلى عظيم إنجاز اجترحوه أو إصابة مؤثرة سجلوها في المرمى الصيني.

يساق هذا الكلام في معرض الحديث عن تردد يبدو أن المهتمين بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان غير قادرين على تبديده، ومن ثم الانتهاء إلى مايشبه الإجماع على هذه القضية الشائكة، بحيث غدت الصين في موازين تلك الحقوق تتأرجح في منزلة بين منزلتين. إذ يرى فريق أنها قد نفضت عن نفسها غبار الاشتراكية وقطعت شوطاً من التحديث الاقتصادي، فلم يبق لانجاز التحديث السياسي غير ذاك الذي يتكفل به الزمن. وعلى الضفة الأخرى، ثمة فريق آخر انبرى دوماً للتشكيك في إمكانية القيادة الصينية ممثلة بحزبها الشيوعي القابض على السلطة منفرداً تنكب عبء القيام بإصلاحات ديمقراطية، وكأنما «الاستبداد الشرقي» جوهر يصعب على من يسوس بلداً بحجم الصين أن يتنكر له. المنافحون عن الديمقراطية يسرفون بالقول عن أهمية أن يمارس المجتمع الدولي ضرباً من الضغط على القيادة الصينية كي تحدث تغييراً معقولاً في نظامها السياسي، وهو نظام ما انفك هؤلاء يعدونه متكلساً ومتحجراً وغير خليق بالقرن الحادي والعشرين. وغالباً ما يترك هؤلاء تقارير منظمات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش تنطق بما اعتبروه حججاً على صواب دعواهم. وهم في تحريضهم على مايرونه سلطة استبدادية لا تني تستعرض فائض قوتها، إنما لا يستبعدون اللجوء إلى الضغط الخارجي وإن تطلب الأمر ممارسة ما اصطلح على تسميته بالقوة الناعمة. وهم في سعيهم هذا إنما يضعون نصب أعينهم نماذج لدول تحولت إلى الديمقراطية تحت تأثير هذه القوة وبفعل تلك الضغوط. ولا يمارى أحداً بالقول أن الديمقراطية وحقوق الإنسان في الصين ليستا في أفضل أحوالهما، فهما ترزحان تحت جبروت نظام سياسي يمارس الإقصاء والتهميش بحق المعارضة، وينتهج قمعاً مبرمجاً ومنظماً لأية تعددية سياسية وثقافية ودينية، مصحوبة بعدم مبالاة بأوضاع الشعب وسلامتهم، مثلما يحدث تكراراً في حوادث انهيار المناجم التي تفتقد إلى أدنى شروط الأمان والسلامة، وانهيار بنايات بأكملها بسبب رداءة في التشييد وغش فيما قامت عليه من مواد، وكذلك عدم إيلاء كثير اهتمام بالمعايير الصحية التي تصنع منها المنتجات والمواد الاستهلاكية على حد سواء، ما جعل ما تصدره للعالم من بضائع أشبه ما يكون بوباء كوني يستلزم الاستنفار والحذر الذي عادة ما يرافق الكوارث الطبيعية. غير أن هناك من يرى الصورة من زاوية مختلفة، فثمة من يقيم قياساً بين ما اجترحته الصين من معجزة اقتصادية ومعدلات نمو مرتفعة انتشلت مئات الملايين من تحت الفقر وإن كانوا في الوقت عينه يقرون بأن مئات الملايين غيرهم ما زالت تطؤهم يومياً عجلات الفقر والضنك وما أخفقت به دول أخرى انتقلت بتهور وعجلة لا مبرر لها من طور إلى طور، كحال روسيا في عهد الرئيس يلتسين ورئيس وزرائه أناتولى تشوبايس حتى غدا عهد الرجلين آية على ذلك الفشل المستفحل وذلك في رأيهم انجاز ينسب للقيادة الصينية و يعود الفضل فيه لها. وتشي المقارنة بين الصين وروسيا بعلو كعب الأولى اقتصاديا وبأنها مأخوذة بهموم النمو والتضخم حتى أضحى ذلك بالنسبة لها بمنزلة تحد لا تجد فكاكا منه، وهي في هذا السياق، على النقيض ممن شابهها تاريخاً وأيديولوجية من الدول، إنما تبدي نفوراً من سطوة عسكرية تروي ظمأها إلى مجد غابر ويحدوها إلى مناوشة محيطها القريب أو الاستئساد على من جاورها من كيانات صغيرة. ذلك أن مثل هذا الميل وإن كان مفهوما من دول امتلكت ناصية السلاح النووي أو ما ماثله من عدة وعتاد، إلا أن الصين تستنكف عن هكذا ممارسات، فهي بشهادة خصومها قبل مشايعيها يمكن التنبوء بسياساتها وردود أفعالها وذلك من ضروب العقلانية في سياسات الدول، فمصالحها وقضاياها الحيوية جلية إلى درجة تنفي معها أي امكانية لمزج قاتل ما بين سياسة الدولة وعظامية القائد.

غير أن الفرد في عالمنا أصبحت حقوقه لا تقتصر على الغذاء وتعداد الأفواه التي تم اطعامها، بل غدت حقا من حقوقه غير القابلة للمساومة حقه فى التعبير عن رأيه والاجتماع والممارسة الدينية والدفاع العلني عن نفسه أمام القضاء. ولكن تلك الحقوق من نافلة القول إنها تنمحي في دولة شمولية تقوم على تراكيب سلطوية. ففي الصين يجزم الكثيرون بإن التحول الديمقراطي بما يتضمنه ذلك من قيام أحزاب سياسية ونقابات عمالية مستقلة سيدفع بالحركة الاقتصادية إلى الأمام، فضلاً عن أنه سيتيح توزيعاً عادلاً للثروة، وقدراً كبيراً من المحاسبة والشفافية المالية، وقبلذاك ترسيخ حقوق سالفة الذكر. أبعد من ذلك، يراهن البعض على أن قدراً معقولاً من الاصلاح الديمقراطي سيجعل الصين تسهم إلى حد كبير في الأمن العالمي، ذلك أن سياسات الصين البيئية تمثيلاً لا حصراً هي كارثة بكل المقاييس ويكفي أن يُنظر إلى ما آلت إليه عاصمتها بكين. والأمر عينه فيما خص السياسة الخارجية، التى اثبتت بما لا يدع مجالاً للشك انها سياسة غير عائبة بسلام الدول واستقرارها قياساً بمصلحة الصين الذاتية المؤقتة، وتلك تجد تجليها الأوضح في الوجود الصيني في أفريقيا. ولأن الديمقراطية في المقام الأول ماهي إلا صيرورة تستهلك أطواراً متعددة، فإن الحديث عن إصلاحات ديمقراطية يلوح مرهوناً بالزمن وبما قد يعتمل في الصين من حراك سياسي، ذلك ما أبانته الأولمبياد وما صاحبها من ردود أفعال ضامرة، وخافتة فيما خص الديمقراطية المنشودة.

كاتب كويتي

mansour.almbarak@awan.com [1]



الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة
وظائف شاغرة -اتصل بنا - دليل هواتف أوان شركة حوار للإعلام
©2008 Hiwar Media Co 

 

Source URL: http://awan.com/node/106968

Links:
[1] mailto:mansour.almbarak@awan.com