الصفحة الرئيسية - المحليات-المتخصصة -الاقتصاد -الرأي -زوايا أوان -العالم - كاريكاتير -الرياضة |
كلما حدث توتر في العلاقات الدولية بدأ كتّابنا يتحدثون بلغة التبشير الحماسي عن عودة الحرب الباردة، وما تسمح به هذه العودة من هامش مناورة جديد لصانع القرار العربي المحبط المتذمر من التأييد الأميركي المطلق لإسرائيل.
تجدد الخطاب هذه الأيام بمناسبة الأزمة الجيورجية التي أشعلت الحرب الكلامية بين خصمي الحرب الباردة السابقة: الولايات المتحدة وروسيا (وريثة الاتحاد السوفييتي السابق). قرأت لأحد كتابنا المرموقين معلقا على الحدث بالقول ان الصدام الذي انفجر هذه الأيام أكثر حدة وخطورة من الصراع السابق، لأنه يجري في عالم متعدد الأقطاب، ليس لأميركا فيه قدرة على خلق جبهة واسعة لحماية مصالحها الحيوية. وذهب البعض الآخر بعيدا في الشطط، معتبرا أن للصدام الحالي أرضيته الأيديولوجية التي هي التناقض بين النموذج الرأسمالي الأميركي في صيغته المتأقلمة مع العولمة وشكل الدولة القومية ذات السيادة التي تحرص روسيا على حمايته مقدمة للعالم الجنوبي خط حماية ضد الاختراق الأجنبي. والإشكال في هذه التحليلات الواهية هي انها عادة ما تبنى عليها المواقف من الأزمات الإقليمية والدولية، كما بينت تجربة السنوات الأخيرة. فالذي غاب عن المحللين السياسيين العرب هو ان تجربة الحرب الباردة التي عرفها العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين قامت على محددات أربعة رئيسية نشير إليها باقتضاب، هي:
أولا- الصراع الأيديولوجي بين رؤيتين متناقضتين للعالم، تشكلان في ان واحد منظومتين عقديتين وخيارين تنمويين ونموذجين للحكم. ولا شك ان هذه الخلفية النظرية القيمية العميقة ترسم خط فصل جذري بين المعسكر الرأسمالي وخصمه الاشتراكي.
ثانيا- انقسام العالم الى كتلتين إستراتيجيتين متناوئتين من حيث المصالح الحيوية، تقوم كلاهما على وحدة تعاضدية صلبة بين العناصر المكونة لها. ويشكل الحلفان الدفاعيان المرتبطان بالقطبين المتناوئين (الأطلسي وحلف وارسو) دعامتي هذه القسمة.
ثالثا- انبثاق قواعد دقيقة للصراع القطبي القائم عبر آليات النظام الدولي الذي استحدث بعد الحرب العالمية الثانية. فلقد قنن هذا النظام بدقة حدود هذا الصراع باعتبار التوازنات الجيوسياسية القائمة.
رابعا- تشكل خطوط تصدع بارزة في الخارطة الدولية، هي معتركات الصراع وساحات المواجهة ورهاناتها.
ومن الواضح ان هذه المحددات الأربعة غائبة اليوم في الأزمات الدولية القائمة. فالصدام الأيديولوجي غير قائم. وإذا استثنينا الحالة الصينية الخاصة التي ليست لها أي قدرة استقطابية ولا مسحة إغراء، فإن مختلف بلدان العالم بما فيها روسيا تعتمد النموذج الليبرالي للحكم وتأخذ باقتصاد السوق وتستند فكريا لثقافة الأنوار والحداثة. كما ان حلف وارسو انهار بالكامل، ولأن تمدد حلف الأطلسي شرقا وجنوبا (مما يفسر سببا من أسباب الأزمة الجيورجية الحالية) إلا انه تحول من ذراع للسيطرة الأميركية في العالم ضد التمدد الشيوعي الى أهداف جديدة في مقدمتها «الحرب على الإرهاب» والحفاظ على العلاقة التاريخية داخل العالم الغربي بين الولايات المتحدة وأوروبا. وإذا كانت قواعد النظام الدولي لم تتغير بعد نهاية الحرب الباردة ولم تراع التركيبة الجيوسياسية الجديدة والتوازنات المترتبة عليها، فان الوعي قائم بضرورة مراجعتها بعد ان أصبحت عاجزة عن إدارة وتسيير الأزمات الدولية، كما بينت حرب كوسفو وحرب العراق الأخيرة اللتين تمّتا خارج المظلة الأممية. ومن الجلي ان خطوط التصدع والصدام الكثيرة في الخارطة الدولية لا تتناسب مع أي صراع قطبي جديد، وإنما تتعدد خلفياتها ورهاناتها بحسب الساحات وطبيعة المعادلات المحلية والإقليمية القائمة. فالحديث عن عودة الحرب الباردة ينمّ عن كسل واضح وعجز فادح عن استكناه وضبط المعطيات الدولية الجديدة. فالأزمة الجيورجية الحالية تحيلنا الى بعض اتجاهات الوضع الدولي الجديد في تعقدها وتشابكها كمنزلة روسيا في المجال الأوروبي المتمدد شرقا، وموقع المنطقة القوقازية في استراتيجيات الطاقة، والحضور الأطلسي في شرق أوروبا، وتأثير العلاقات الصينية –الروسية الجديدة على النظام الدولي.
وإذا كانت المقاربات المنهجية السائدة في الأدبيات الفكرية والإستراتجية العربية عاجزة عن قراءة الوضع الدولي، فان دوائر القرار والحكم تسقط في فخ هذه القراءات التي تجر الكوارث والمصائب على الأمة، بدل النظر للنظام الدولي الجديد في خصوصيته وتعقده وتعارض ديناميكياته.
كاتب من موريتانيا