الصفحات الكاملة

مواضيع من نفس القسم
ابرز عناوين الاخبار
الرأي
الثلاثاء 2010/2/9 العدد:805
سامي شورش
انتخابات العراق.. صراع أميركي إيراني
ليس واضحاً ما يمكن أن تقوله المحكمة الاتحادية العراقية في شأن قرار هيئة التمييز الخاص بإعادة الأشخاص الذين تم إبعادهم عن حلبة الانتخابات بذريعة انتماءاتهم البعثية. لكن الأكيد أن ما نشهده من تجاذبات وتناقضات بين قرارات الهيئتين: المساءلة والعدالة من جهة، والتمييز من جهة ثانية، هو في حقيقته جزء من صراع أميركي- إيراني أعمّ وأشمل يضطرب فيه العراق.
فالأميركيون الذين يتمسكون بفكرة إعادة ضمّ بقايا البعثيين، ممن لم تتلطخ أياديهم بالدماء، إلى العملية السياسية العراقية، بذلوا خلال العام الماضي جهوداً كبيرة من أجل إقناع أوساط حكومية نافذة، في مقدمها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، بفتح الأبواب أمام مصالحة وطنية خاصة بالانفتاح على بعثيين سابقين، ورؤساء عشائر من مؤيديهم في غرب العراق ووسطه. في هذا الصدد، أوضحت الدلائل أن المالكي رضخ للضغط الأميركي مطلع العام الماضي. وكان شروعه في حوار معمّق مع عدد من كبار ضباط الجيش العراقي السابق، وبعض الأوساط المحسوبة على حزب البعث المنحل في فرنسا، وبعض الدول العربية، بمثابة الإشارة الى المسعى الأميركي العراقي في هذا الاتجاه.
لكن الأرجح أن المالكي الذي قطع، في حينه، أشواطاً في عملية الحوار سرعان ما واجه مكابح إيرانية رافضة لأي تعامل حكومي عراقي مع البعثيين، حتى إذا جاء الموضوع بناء على طلب أميركي، فطهران التي تتخوف من أي لعبة أميركية في هذا المنحى، تعرف أن هدف واشنطن من ضمّ البعثيين، أو بقاياهم، أو مؤيديهم في العملية السياسية، هو إعادة استخدامهم كرأس حربة في عملية التصدي للنفوذ الإيراني في العراق. أوساط عراقية مطلعة لم تستبعد في حينها أن يكون لقرار المالكي وقف الحوار معهم وشروعه في شنّ حملات كلامية ضد كل من يدعو الى التصالح مع البعثيين، صلة مباشرة برفض طهران لأي مسعى في هذا الشأن.
لكن الأميركيين الذين يتهيؤون للخروج من العراق، ويعتزمون إعادة ترتيب البيت الداخلي العراقي على أسس تمنع الإيرانيين من ابتلاعه وهدمه، عادوا إلى ممارسة ضغوطهم السابقة على المالكي، ملوّحين في هذه المرة بورقة التخلي عن دعمه والتحوّل إلى دعم غريمه رئيس الوزراء الأسبق د.إياد علاوي في حال واصلت القوى الشيعية داخل حكومته تمسّكها بمبدأ رفض ضمّ بقايا البعثيين إلى الحكم.
في الواقع، تحرك الإيرانيون بسرعة للرد على الضغوط الأميركية وقطع الطريق على أي مسعى لإعادة البعثيين تحت مسميات غير بعثية، وعبر صناديق الانتخابات. المفاجأة في هذا الخصوص تمثلت في قرارات أعلنت عنها هيئة المساءلة والعدالة التي وصفها قائد القوات الأميركية السابق في العراق ديفد بترايوس بأنها جزء من فيلق القدس الإيراني، حول إبعاد مئات المرشحين والكيانات السياسية من حق خوض الانتخابات البرلمانية العراقية المقبلة بذريعة الانتماء البعثي. في الواقع، كانت قرارات الهيئة في هذا الخصوص بمثابة وضع للعصي في عجلات المساعي الأميركية الرامية إلى التحضير لتغيير المشهد السياسي العراقي في مرحلة ما بعد الانتخابات المقبلة.
يبدو أن اللعبة الإيرانية شكّلت ضربة سياسية ذكيّة لسياسة واشنطن في العراق. لهذا سارع نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن إلى زيارة بغداد لحث مكوّنات العملية السياسية العراقية على إعادة المبعدين إلى حلبة الانتخابات وتأجيل البتّ في قضاياهم وطعونهم إلى مرحلة ما بعد السابع من آذار (مارس) المقبل. فالمهم بالنسبة إلى الأميركيين الذين بدأوا بحزم حقائبهم استعداداً للانسحاب من العراق، هو أن تجري الانتخابات في موعدها أولاً، وأن تشارك فيها مختلف التكوينات الإثنية والمذهبية والدينية العراقية ثانياً. وأن تمهّد الانتخابات لصياغة عراق مؤهل لردع إيران من التغلغل والهيمنة في مرحلة ما بعد الوجود العسكري الأميركي. في الواقع، جاءت قرارات هيئة التمييز متناغمة مع اللعبة الأميركية. لهذا سارعت قوى وأحزاب عراقية محسوبة على النفوذ الإيراني إلى إطلاق لعبة إيرانية أخرى مؤداها نقل الدعوى في خصوص قرار هيئة التمييز إلى المحكمة الاتحادية.
لم يتضح، إلى الآن، ما يمكن أن تقوله المحكمة الاتحادية في هذا الصدد. لكن الأكيد أن طهران قد تعتبر نفسها منتصرة في الصراع مع واشنطن داخل العراق، إذا أفضت جهودها، لا إلى إنجاح قرارات هيئة المساءلة والعدالة، بل حتى إذا أفضت التعقيدات التي أحدثتها تلك القرارات إلى تأجيل موعد الانتخابات البرلمانية في العراق على الضد من إرادة الأميركيين. إذ المهم بالنسبة الى إيران أن تواجه جهود واشنطن على كل صعيد عراقي بالفشل والنكوص والتأجيل.

كاتب من العراق
تاريخ النشر : 2010-02-09
 
 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...