امرأة كبيرة هي «آمنة»، لو وضع كل حنان العالم في كفة، وحنانها في كفة أخرى، لرجحت كفّتها. هذه هي الموريتانية العظيمة. لم تعرف لغة حزب. لم تضحك على قطيع. لم تقف أمام هلال أحمر أو أخضر أو بنفسجي. لم تطلب بطاقة تموين، ولا حزمة برسيم ثقافية، ولم تهرول وراء صك غفران.
وجدت العالم رصيف غربة، والضمير قطعة سلاح والايديولوجيات سوبر ماركت لدكاكين منتفخة الأقوال، لا تبيع إلا تماثيل صنمية... فقيرة في المال لكنها غنية الإحساس. اختصرت عظمة العالم بدمعة وعلبة سردين سقطت سهوا من مائدة بطن متكور بميكرفون وشعار.
عندما أريد أن أقرأ أي صفحة من كتاب أي قلب أقرأ صفحة العيون.. تصفحت وجوه الهنود الحمر في أميركا بقراءة غابات عيونهم الكندية.
قرأت صورة حزن أم من ألمانيا الشرقية، هرب ابنها في حقيبة سفر عبر جدار برلين اللعين، قرأتها من خلال عيونها.. أطفال كثر سقطوا برصاص قناصة ألمانيا الشرقية نعوشا في عيون أمهاتهم...تصفحت عيون أم قبل شهر فقدت ابنها، والحزن كان يرقص ثملا. كان متكدسا صفحات تاريخية.
تذكرت حينها كلام الإمام علي (ع) «رؤية الحبيب جلاء العين». عندما يرى الإنسان المحب أكان زوجة أم أما أم ولدا أم ما يسعد، يكون ذلك من خلال العين.
لغة العيون موجعة ومؤلمة، وهي كتاب الإنسان. يقول بوذا «العالم خُلق بنظرة».. هذه هي سيكولوجية العيون.. لكي تقرأ الإنسان اقرأ عيونه.. العين هي: «النظرة، الرغبة، الكلام، الأمنية، الحزن ،الفرح، التأمل، النوم».
في الأمس قرأت كل ذلك في عين امرأة عظيمة، آمنة الموريتانية. تكلمت عنها بعض مواقع الأخبار. امرأة فقيرة أخذت على عاتقها تربية الأبناء «غير الشرعيين».. حقيقة لا أحب هذا التعبير، وإنما أحبّذ تعبيرا كبيرا لشخصية أميركية، فقد وصفتهم بأنهم: «أبناء شرعيون لآباء غير شرعيين». من يقترف الجريمة هو غير شرعي وليس ضحاياه.
هذه المرأة أخذت على عاتقها، على الرغم من فقرها، الاعتناء بهؤلاء الأطفال وتربيتهم، وهم كثر.
كنت هذه الأيام أقرأ عن الشخصيات الإنسانية التي أخذت على عاتقها ضخ الملايين من المال لأجل مساعدة الفقراء، أمثال مايكل جوردن، أسطورة كرة السلة الأميركية، وأنجيلينا جولي، وهي تتنقل من ملجأ الى مخيم، ومازالت تضخ أموالا كثيرة لبناء مدارس ومستشفيات ومساكن لفقراء.. إلخ. تذكرت وأنا أقرأ حياة مايكل جوردن، الصورة النمطية لدى بعض المثقفين الأميين، من امتهنوا إلقاء الحجارة على قصر الحضارة الغربية، فلا يرون فيها وفي أهلها إلا صندوق قمامة معزول بزاوية القصر.
يقول الإمام علي: «قيمة كل امرئ ما يحسنه».. أقول: الإنسان عبارة عن جواهر مختبئة بين حديقة ضميره، وسجن آثامه.
قرأت عن البروفيسور محمد يونس، الذي أسس بنك الفقراء في بنغلادش، من خلال عيون آلاف العوائل النائمة بين أسنان تمساح الفقر.
اقرؤوا عين الفرنسي العظيم، كولوش.. الفنان الكوميدي الذي قام بتأسيس مطاعم القلب في فرنسا.
أقول اقرؤوا عيونهم، ستجدونها تحكي عن إنسانية وعظمة...
أقول: هكذا قرأت آمنة الموريتانية. انفعلت بالموقف، وأنا أعلم كيف يعيش هؤلاء الأطفال في بلداننا العربية ضحية إهمال القانون والأحكام المدنية وقسوة رؤية المجتمع وشراسة التراث ضدهم، وهم مجرد ضحايا لذئاب بشرية ولأعراف تشتمهم بغبار وضمير ممزق كصور كهنوتية سمجة. أنا لا أتكلم عن هؤلاء فقط، ولكن عن أي أقلية مضطهدة في هذا العالم!
كاتب من البحرين
تاريخ النشر :
2010-02-09