...ولكنها إصابة في مرمى القبيلة نفسها
يصح القول إن العملية الديمقراطية في بواكيرها، وحتى زمن متأخر، كانت إحدى علاماتها الكبرى فيما يخص التمثيل السياسي، احتكار مشيخة القبيلة لهذا التمثيل، وعلى النحو الذي تتبدى به القيادة السياسية والاجتماعية للقبيلة متطابقتين فيها. بيد أن انتقال المجتمع فيما بعد إلى طور من التحديث والتعقيد، وإن لم يكُ بتلك الجذرية التي من شأنها خلخلة النسق الثقافي في المجتمع، إلا أنه كان كافياً لأن يجعل قبضة القبيلة على أفرادها ترتخي ويصيبها شيء من الفتور.
والواقع أن ذلك الجمع بين القيادتين السياسية والاجتماعية للقبيلة، كان يجد ما يعززه ويرفده في اقتصاد ريعي للدولة، وجسم هائل من المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية خرج من البطن الخصب لورشة تأسيس الدولة والمجتمع بمعنييهما الحديثين، وعلى نحو ما يذهب راطنو السوسيولوجيا، فإن تلك الحقبة أفرزت النظام الزبائني بوصفه أسلوباً لإدارة العلاقات الرأسية في المجتمع. وبحكم المنطق، فإن ذلك وإن كان مناقضاً لمستلزمات بناء الدولة الحديثة، إلا أنه شهد ازدهاراً وسم شطراً كبيراً من التاريخ الاجتماعي الحديث في الكويت، لكونه جعل من إدارة السياسة والولاء للسلطة أمرين متيسرين.
وهذا بالطبع دور اجتماعي استهلك فترة من الزمن، ولكن جملة أسباب من بينها التطوران الاقتصادي والتعليمي وازدياد وتيرة التشبيك الاجتماعي، وانفتاح الأفراد على مفاهيم المواطنة، وأنماط مختلفة للحياة، قد تأتى عنها تراجع الدورين الاجتماعي والسياسي لمشيخة القبيلة بنسختها التقليدية، ومن ثم إلى انكسار احتكارها السياسي والاجتماعي للقبيلة. ولن يغفل المتابع لتلك التطورات البطيئة عن إدراك الفراغ السياسي الذي تأتى عن أفول الدور السياسي والاجتماعي للمشيخة التقليدية. غير أنه فراغ لا ينبذ فكرة التحديث، بقدر ما يتأرجح بين التخلف والتحديث.
ومن دون أدنى شك، فإن الإخفاق في تحديث المجتمع والتنمية الاقتصادية، فضلاً عن الوهن الذي أصاب القوى الوطنية التي كان منوطاً بها تخصيب قيم الحداثة والمواطنة اجتماعياً متزامناً مع صعود نجم المد الديني المتصالح مع النسق الثقافي المحافظ، كلها مجتمعة أسهمت إلى حد بعيد في تعميق ذلك الفراغ السياسي، وإنتاج ذلك الفراغ لنخبته السياسية المرهونة به.
واقع الحال أن هذه النخب الجديدة (المشيخة المحدثة) التي صنعها ذلك الفراغ السياسي- وهي أخلاط من التكنوقراط والأكاديميين وذوي الحظوة الاجتماعية- استبد بها الميل إلى إعادة إنتاج ذلك التطابق السياسي والاجتماعي الذي ميّز المشيخة التقليدية، وبالطبع مع شكلانية في التحديث وتجديد في وسائل العمل السياسي والاجتماعي. وفي الوقت الذي كانت فيه الانتخابات الفرعية شاهداً على نهاية المرحلة التقليدية للمشيخة، فإنها ما كان لها أن تنشأ أصلاً لولا أنها تجسدت كآلية فاعلة في بناء مشيخة حداثية للقبيلة.
ومن المهم هنا ملاحظة أنه في الوقت الذي كانت فيه المشيخة التقليدية تتمحور حول الدور الزبائني في علاقتها بالأفراد والسلطة، مع ما يستبطنه ذلك من حقيقة تمييز أبناء القبيلة عن باقي مكونات المجتمع، إلا أنه في حقيقة الأمر لم يكن تمييزاً ذا طابع عدائي يتجه إلى الآخر ويستهدفه، بل أقرب ما يكون إلى تمييز مختبري يمكن ضبطه والتحكم بمستوياته.
ولكن المشيخة السياسية المحدثة للقبيلة نفضت يديها من ذلك الإرث، إذ استهدفت في خطابها الغرائز وتلونت بلغة التحريض في أحايين كثيرة، ولئن كان ذلك من شأنه أن نقل الهوية القبلية إلى درجة جعلها أشد سطوعاً، غير أنه في الوقت عينه جعل الخط الفاصل ما بين الاعتداد والتعصب مستدقاً إلى الحد الذي لا يمكن رؤيته.
فهذا الخطاب مدموجاً بالممارسة السياسية، كانا على الضد من خطاب المشيخة التقليدية، فالأخير تبدى دوماً محتشماً ومحافظاً وخاضعاً لفكرة الولاء المطلق، في حين جنح خطاب المشيخة الحديثة إلى توسل الثنائية القاتلة (نحن/ هم) وإحلالها في قلب السلوك السياسي والاجتماعي للقبيلة، وعلى النحو الذي غدا به تفسير جميع ما يقع من أحداث في الكون من قضايا الاقتصاد والعلاقات الخارجية للدولة والثقافة وغيرها يدخل ضمن اسم تلك الثنائية.
أغلب الظن أن بروز المشيخة المحدثة مرتهن إلى حد كبير في فاعلية تلك الثنائية، ومدى هضمها من قبل الأفراد، وعلى حقيقة ادعائها مواجهة ممارسات تقوم على التمييز بين أفراد المجتمع، والتي حسبما يدعون تضرب بتركيز أبناء القبيلة. فعلى الرغم من أن تلك الدعوى لا علاقة لها البتة بمفهوم التمييز، بقدر ما تتعلق بممارسات تستعاد المرة تلو الأخرى من دون أن تتعرض للفحص والنقد، وبعدم تشديد متعمد على الدور المحوري للقانون وتطبيقه، ومن ثم قدرته على استئصال أية ظاهرة للتمييز، طالما أنه تجسيد لإرادة الجميع. ذاك أن من ينبذ القانون ويتملص من الانصياع لإرادته تحت أية دعاوى كانت، فإنه في واقع الأمر، إنما يعيد إنتاج فكرة التمييز، وبالتالي يغذي نار تلك الثنائية بمزيد من الحطب.
وإعادة الإنتاج الحديثة هذه لسياسات قديمة ليس حقاً حصرياً تحتكره القبيلة، بل تستعرضه كذلك مكونات أخرى في المجتمع، إذ من المؤسف أن تحذف نخب سياسية تدعي الحداثة وأفكار التحديث والتطوير والقانون من خطابها، وتتباهى باختزالها الأحداث كافة في ثنائية قاتلة تتحفنا فيها بين الفينة والأخرى بمزيد من البؤس والشقاء.
كاتب من الكويت
mansour.almbarak@awan.com
تاريخ النشر :
2010-02-09