الصفحات الكاملة
الرأي
الثلاثاء 2010/2/9 العدد:805
خالد القطان
في المقام الأول والأخير
إذا كان البريطانيون يعتبرون «الماغنا كارتا» هي الميثاق المركزي والأساسي لحرياتهم وحقوقهم الرئيسية كافة.. والفرنسيون يعتبرون إعلان حقوق الإنسان، ميثاقهم و«دستورهم» الذي يفخرون به على العالم بأسره، فإن المسلمين يعتبرون «حكومة» الخلفاء الراشدين، هي الوثيقة الأساسية لحرياتهم السياسية، وهي ميثاق كان في زمنه ديمقراطيا مارسه المعنيون به روحا وتطبيقا، ولم يكن البتة مجرد بيان لساني أو قولي.
والبريطانيون اليوم هم في أوج نظامهم الديمقراطي الحي، الذي ورثوه عن أجدادهم، وطوروه، وأضافوا عليه بما تملي عليهم الوقائع الزمنية الجديدة والمتغيرة من إملاءات مناسبة، تعمق من جوهره مترجماً على الأرض.
كما أن الفرنسيين بدورهم اليوم، يتمتعون بدولة الحرية والمواطنة وحقوق الإنسان، وحكم المؤسسات المدنية، وأجهزة القضاء، وتطوير الدستور، بما سموه ويسمونه الجمهورية الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة ..إلخ.
أما المسلمون، ومع انحدار إمبراطوريتهم الأخيرة: الخلافة العثمانية، وما أصابها من تصدع، وتفكك، وانحلال، وتشرذم أودى بها إلى حيث ما رأى أجدادنا وآباؤنا من قبل، وما نراه نحن من بعدهم اليوم.
وبدلاً من أن يتدارك المسلمون الأمر، ويفكروا، على الأقل نظرياً وتجريديا، باستئناف نهضتهم من جديد، هاهم ينحدرون من درك سيئ إلى درك أسوأ فأسوأ، حتى طاول الأمر بنيتهم الداخلية المباشرة جداً، فإذا بهم يتناحرون بين طائفة وطائفة.. ومذهب ومذهب.. وجهة وجهة.. وقبيلة وقبيلة.. وفخذ وفخذ، فيدمرون بذلك، ليس دينهم وإسلامهم فقط، وإنما مجتمعاتهم وأوطانهم، التي نراها تتفكك وتتحلل أمام أعيننا وقلوبنا وضمائرنا.
والأنكى والأكثر فداحة وكارثية في هذا التهافت المريع، هو هذه الفتاوى التي تطلق من كل حدب وصوب، يطيّرها هذا، أو ذاك ممن يسمون أنفسهم مفتين (بعيداً من أي اجتماع إسلامي مؤسساتي)، فإذا بهم يمسخون الدين، ويهبطون به إلى مستوى متدن جدا من التفكير، لا يمكن توقعه، كأن يفتون، مثلا، بميكي ماوس، والحيض، والإرضاع، وعدم جواز فتح الإنترنت للمرأة من دون محرم ..إلخ. فضلاً عن تزكية السياسيين في كل مشروع سياسي يتخذونه بلا نقاش، ضمني أو علني، حتى ولو تناقض أمره مع أحكام الشريعة
وكتاب الله العظيم.
ويا ليت هؤلاء يعيشون، وضميريا هنا، عقدة الازدواج، بين ما هم «مجبرون» عليه مثلاً، وبين ما يحملونه من قوام موجبات الدين، وأخلاق التعامل الملزم بها، بل نجدهم يسعون إلى التبرير، ويخرجون أنفسهم بذلك من حلّ كل نزاع أخلاقي ديني داخلي، ويرغمونك، وأنت تراقب مشهدهم الحزين، أن تقرأه (أي المشهد) على هيئة أنك أمام عقول وقلوب بليت تماما.
نحن من القائلين والموقنين تماما، بأننا ينبغي أن نعيش عصرنا بتحدياته كافة، وما تمليه أسئلته، بالتالي، من شروط عملية ومعرفية جديدة، وما تقتضيه أيضا من تنظيم لشؤوننا السياسية والأمنية بقيام دولة مدنيّة يكون فيها للمؤسسة الدور الحاسم، وللديمقراطية نهجها العملي الفاعل، وليس تردادها كشعار ببغاوي من دون مضمون، أو ممارسة حيّة على الأرض.
وأمر دولة الحداثة والتحديث في كل شيء، لا يعني، في المقابل، أن نحدث قطيعة مع الدين، بل يعني أول ما يعني عدم إقحام الدين في السياسة، وجعل الناس تعيش أجواء وظروف القرون الغابرة، والعلاقات التي عفى عليها الزمن، وهنا يفرض علينا منطق التطور الواعي والمسؤول، أن نرى، إذن من حولنا، رجال دين ينتمون إلى عصرهم الحديث المعقد والزاخر بالمشاكل، وبالتالي يقرون، وبوضوح، ضرورة إصلاح المؤسسات الدينية، والارتقاء بها، وتغيير قوانينها، وجعلها توائم زمننا وتبدل أحوال مجتمعاتنا الإسلامية والتحديات الحضارية الكبرى التي تواجهها.
وهنا أنا لا أضع كل رجال الدين، مثلا، في منزلة واحدة، بل ثمة منهم من ينتمي إلى عصره الحديث، ويقول بضرورة التطور السياسي والاجتماعي، وقيام الدولة الحديثة وأجهزتها المدنية كافة، لكن هؤلاء، مع الأسف، قلة قليلة، وسرعان ما يجدون معارضة عنيدة، صلبة وقاهرة، من نظرائهم المحافظين، وما أكثرهم، الذين تقتضي مصالحهم الضيقة، الأنانية، (وليس موجبات الدين طبعا) بالثبات على أفكارهم ومواقفهم وسلطاتهم.
نعم، فحتى الشؤون الدينية، أو المعرفة الدينية، مهما كان تباين مستواها، تحولت إلى وظيفة، وإدارة اقتصادية مقيتة ومخيبة، وتندرج في رأيي مدارج أولي النفوذ السياسي والاقتصادي في المقام الأول والأخير.

كاتب من الكويت
تاريخ النشر : 2010-02-09

2010-02-09 00:26:17
excellent article from an excellent writer, once again this writer has met exceeded standards..I am a fan
Dr. SEL
2010-02-09 18:57:56
مقال رائع كالعادة استاذ اتمنى ان نجد في صحافتنا من يكتب بهذه الطريقة الرائعه المثقفة شكرا لك وسلم فكرك البناء و المعطاء
الكاتب علي البصيري
2010-02-10 18:54:09
مقال متزن يفصح عن ثقافة عاليه وطرح موضوعي واقعي او لكلاهم هو الموضوع المهم الذي تطرق اليه الكاتب ولا نراه بالأعم ولكن موجود بكثرة في الواقع وما ابتلينا به من الفتاوى المعلبه التي تصدر على مقاس رغبة البعض، بل الأنكى من ذلك أن بعض المفتين في دور الافتاء طمعوا بالدنيا والمال وصاغوا فتاوى الغرض منها تخدير شعوبهم أولئك نود أن نرى ووجوههم عندما يعرضون على ملك الملوك ويبدأ حسابهم أولهم اللاشيخ طنطاوي مفتي الأزهر عامله الله كما يستحق .
بالنهاية اشكر الكاتب على طرحه الغني بالموضوعية والثقافةوالسلام عليكم.
خالد المطيري

 شاركنا بتعليقك 











 جاري إرسال رسالة
جاري التحميل...