قمة منظمة شنغهاي.. والدعوة لعالم متعدد الأقطاب
أنهت قمة منظمة «شنغهاي للتعاون» أعمالها في مدينة يكاتيرنبورغ عاصمة إقليم الأورال في روسيا، يوم الثلاثاء 16 يونيو الفائت. وتضم منظمة شنغهاى للتعاون التي تأسست سنة 2001 اليوم كازاخستان وقرغيزيا والصين وروسيا وطاجيكستان وأوزبكستان. وتنتسب إليها كل من منغوليا وباكستان والهند وإيران بصفة مراقب، علما أن البلدان الثلاثة الأخيرة نالت هذه الصفة منذ عام واحد فقط. وكان الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف يعتزم، بحسب مصادر مقرّبة من الكرملين، الحصول على موافقة البلدان الأعضاء في المنظمة على منح إيران عضوية كاملة، لكن الملف لم يطرح بشكل مباشر.
تريد منظمة شنغهاي أن تتحول إلى تحالف سياسي عسكري قابل لموازنة الولايات المتحدة الأميركية وحلف الأطلسي في المنطقة، إضافة إلى أنها تركز بصورة جدية على مسائل التكامل الاقتصادي لمنطقة آسيا الوسطى وإنشاء الفضاء المشترك للتعاون الإنساني الإقليمي. فروسيا القوية باستقرارها الجديد الاقتصادي، ونفاذها من تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية، بفضل دورها كمزود محوري للطاقة على الصعيد العالمي، تطمح إلى أن تكون قوة عظمى من جديد، وأحد المقررين الرئيسيين في القرن الحادي والعشرين، ولاعبا أساسيا قادرا على مواجهة الهيمنة الأميركية. وقد استهلت روسيا العام 2006 بإشارة رمزية لقرب عودتها للساحة العالمية ثانية كقطب دولي عندما قطعت صادراتها من الغاز الطبيعي لأوكرانيا.
كما أن روسيا التي تعتبر نفسها دولة أوروبية، تريد أيضا ألا تفقد رؤيتها من «دعوتها الأوراسية»، وهو موضوع معاد طرحه في الخطاب الرسمي للنخبة الحاكمة، المتشبثة بفكرة إعادة بناء القوة العظمى المفقودة. وإذا كانت روسيا تعاني من ضائقة اقتصادية، فأغلب الظن أنها ستتغلب عليها في السنوات القليلة المقبلة من خلال إقامة تحالفات مع جيرانها، وفي مقدمتها الصين، عدوتها بالأمس. لكن علاقة روسيا بالصين هي اليوم في أحسن حالتها. فقد تم ترسيم الحدود بين البلدين، التي تمتد على مسافة 4300 كيلومتر، وانطلقت ورشة بناء خط أنبوب آسيا المحيط الهادي، الذي يدخل في إطار تعزيز الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والصين في مجال الطاقة.
ومن المعروف أن الولايات المتحدة الأميركية تدعم كازاخستان الدولة الغنية بالموارد النفطية، وتؤيد في الوقت عينه مد خطوط تصدير النفط والغاز الطبيعي التي ستتخطى الأراضي الروسية، وتحذر دائما روسيا من تحويل صادرات النفط والغاز الطبيعي إلى أدوات تهديد وابتزاز سواء عن طريق التلاعب بالإمدادات أم محاولات احتكار عمليات النقل.
عالم الطاقة
والواقع أن الاحتياطي الهائل من النفط والغاز لدى روسيا، يجعل منها قوة عظمى في عالم الطاقة، الذي يعاني من أزمات حقيقية ولاسيما داخل أميركا المأزومة فعليا، بسبب ارتفاع أسعار النفط لمستوى يهدد اقتصادها، وعلى المدى البعيد يؤثر في انفرادها بقيادة العالم، وهو أمر مشكوك فيه.
وفي منطقة الشرق الأوسط يشكل الملف النووي الإيراني تحديا جديدا للنظام العالمي الجديد أحادي القطبية، حيث إن صراع الإرادات بين إيران والولايات المتحدة لايزال قائما. وكان لافتا في قمة منظمة شنغهاي، وصول الرئيس الإيراني أحمدي نجاد متأخرا يوماً إلى إيكاترينبورغ، حيث قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابوكوف إن موسكو «تعتبر الانتخابات الرئاسية في إيران شأناً داخلياً، وترحّب بزيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد المنتخب مجدداً إلى روسيا»، مضيفا أن «اختيار روسيا لتكون أول محطة خارجية يزورها الرئيس الإيراني بعد إعادة انتخابه أمر له مدلولات مهمة، ويشكّل انعكاساً لعمق الشراكة والصداقة بين البلدين».
كلمة نجاد
وفي الكلمة التي ألقاها الرئيس أحمدي نجاد خلال القمة، انتقد بشدة سياسة الولايات المتحدة الأميركية، معتبراً أن «الأزمة السياسية والاقتصادية تؤكد فشل النظام العالمي أحادي القطب». وأضاف أنه «من الواضح أن عصر الإمبراطوريات يوشك على الأفول، وفي المستقبل لن يتم إنعاش تلك الإمبراطوريات». وفيما يتعلق بالعراق، قال نجاد إن «العراق لايزال محتلاً، وتتنامى الفوضى في أفغانستان وتتسع، وتبقى القضية الفلسطينية مستعصية، وعمت العالم أزمة سياسية واقتصادية، ولا يوجد أمل في حل هذه القضايا»، وأضاف أن الولايات المتحدة وحلفاءها «لا يستطيعون معالجة هذه الأزمات، والمرحلة الراهنة تدلّ على حلول نهاية النظام العالمي الحالي».
وعلى هامش قمة منظمة شنغهاي، حصل أول لقاء بين رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ والرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، وأجريا محادثات رسمية منذ الأحداث الإرهابية التي شهدتها مدينة مومباي في نوفمبر 2008. وقال سينغ في اللقاء «أنا سعيد بلقائك، لكني مفوض بأن أبلغك بأن أراضي باكستان يجب ألا تستخدم في الإرهاب». ووجه سينغ هذه الدعوة في كلمة أعدها لقمة منظمة شنغهاي للتعاون - موسكو لدول آسيا الوسطى والقوى المجاورة.
وأكد البيان المشترك لقمة منظمة شنغهاي عزم البلدان الأعضاء على تعزيز التنسيق بينها في المجالات كلها على الصعيدين الأمني والاقتصادي. وشدّد المشاركون على ضرورة الانتقال إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، وركزوا على أهمية دعم أفغانستان في بناء اقتصاد وبنى سياسية متطورة.
الصين .. دور حيوي
وفي قمة منظمة شنغهاي، قررت الصين تقديم قرض بقيمة عشرة مليارات دولار إلى الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، بينها روسيا وقازاخستان وقيرقيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان، لمساعدتها على المحافظة على الاستقرار المالي ومكافحة الأزمة الاقتصادية. وقال الرئيس الصيني هو جينتاو إنه «إضافة إلى ذلك سنشكل وفوداً للمساعدة على الاستثمار التجاري تزور الدول الأعضاء من أجل تعزيز الواردات والصادرات والاستثمار المتبادل». وتزيد هذه المبادرة نفوذ الصين في المنظمة التي تستغلها بيجينغ وموسكو لمواجهة النفوذ الغربي في منطقة آسيا الوسطى الإستراتيجية والغنية بالموارد الطبيعية.
وفي الوقت عينه، ضغط الرئيس الروسي لمواجهة الهيمنة الأميركية على أسواق المال، بدعوته إلى عملات جديدة للاحتياطي العالمي. وقال إنه «لا نظام مالياً يمكن أن يكون ناجحاً إذا كانت الآليات المالية تتم بعملة واحدة فقط... علينا تعزيز النظام المالي العالمي، لا بتقوية الدولار فحسب، وإنما أيضاً بإيجاد عملات أخرى للاحتياطي». وتشكل هذه الدعوة تحدياً روسياً لهيمنة الدولار الأميركي كعملة للاحتياطي العالمي. وكان الرئيس الروسي قال في منتصف مايو الماضي إن روسيا ستقترح على قمة مجموعة الدول الثماني التي ستعقد في إيطاليا في يوليو الجاري، إدراج عملة الروبل كعملة احتياطي على غرار الدولار. وفي السياق عينه، كثفت الصين من انتقاداتها للنظام المالي العالمي الذي يهيمن عليه الدولار، ودافعت بكين عن فكرة تكثيف استخدام عملتها اليوان كعملة احتياطي.
وحدها الصين الآن، التي أصبحت القوة الاقتصادية الرابعة في العالم، تمتلك الوسائل الكافية لمنافسة الولايات المتحدة الأميركية التي تخلت عن هديها إلى الديمقراطية. فمسألة تايوان، والميزانية العسكرية الضخمة للصين، وقدرة الصواريخ الصينية العابرة للقارات على تهديد نيويورك، أو المشاريع النووية لكوريا الشمالية.. هذه المسائل مجتمعة تمنع من أن يكون قرار السلام في هذه المنطقة من العالم حكرا على الولايات المتحدة الأميركية بمفردها.
كاتب من تونس
تاريخ النشر :
2009-07-03