د. محمد الرميحي | في هذا الأوان
mohammad.rumaihi@awan.com
ربما هي الظاهرة الوحيدة في العالم، وبالتأكيد في العالم العربي، التي يُستجوب فيها وزير الداخلية من قبل المشرّعين بسبب تطبيق القانون، لا بسبب اختراقه.
بعض مشرّعينا مثل المطرقة لا ترى أمامها إلا المسمار، والمسمار في هذه الحالة هو الوزير، مهما كان عمله جادا ومنسجما مع المصالح العامة للمواطنين، فلا بدّ أن يُطرق.
ضجّ المجتمع الكويتي من الممارسات التي تعسّفت في استخدام الرخص الدستورية في المجلسين السابقين، وأخذت القيادة العليا في الكويت برغبة الناس، فدعت إلى انتخابات جديدة، ظنّ كثيرون أنها أنتجت مجلسا تعلّم الجميع فيه، من تجارب سابقة، أن التعسّف والشخصانية في استخدام الأدوات الدستورية هما بمثابة مسامير في نعش الديمقراطية المرتجاة، لأنه إن فقدت الممارسة البوصلة فقدت تحديد الهدف، وتحوّل من عام إلى شخصي أو فئوي أو مناطقي أو قبلي.
إلا أن الجميع اكتشف بعد أيام قلائل، أن العادات القديمة تموت ببطء، فأصبح للديمقراطية، من جديد، ماكينة سيارة النانو (الهندية الصغيرة) وكوابح الرولز رويس، وأصبح الاستقرار المرتجى مجرد حلم لا أكثر، والتعطيل فيه أكثر وأكبر من التسهيل.
في العمل السياسي هناك ظاهر وباطن. والمثال القريب هو تصريحات السيدة نورية الصبيح وزيرة التربية والتعليم العالي السابقة، التي قالت إن بعض المشرعين كانوا يطالبونها بمطالب خارج القانون، وإن لم تستجب تُهدّد بالاستجواب، وهو أمر يشكو منه معظم الوزراء.
طبعا المستجوب السياسي، لا يطلب الاستجواب بسبب طلباته المباشرة، هو يتحيّن الفرص، ويختلق الظروف، من أجل إظهار استجوابه وكأنه للمصلحة العامة، في حين لو استجاب الوزير للمصلحة الخاصة لنجا من كل شرّ. لذلك فإن المسكوت عنه في السياسة الكويتية هو (باطن الاستجواب) لا (ظاهره)، ومن هنا فإن استجواب الوزير جابر الخالد، مع حفظ الألقاب، إذا ما جرّد من القشور التي أُلبسها، علينا أن نبحث عن أسبابه في جهده لتطبيق القانون، خاصة في أثناء التحضير للانتخابات الأخيرة وما قبلها، فيما سمي بـ(الانتخابات الفرعية)، وهي انتخابات مجرّمة قانونا، وما رافقها من أحداث، أراد الوزير أن يطبق القانون فيها.
لفّ جهابذة السياسة على هذا الموضوع، وأخرجوا من عباءاتهم كل ما يمكن الإشارة إليه، إلى درجة اتهام شخصية كبيرة في البلد، ولصق اسمها عنوة في الاستجواب للإحراج لا أكثر، وتبين بما لا يرقى إليه الشك أن تلك الشخصية العامة ليس لها علاقة، لا من قريب ولا من بعيد، بالموضوع المطروح كله.
الخوف من طرح تعديل القانون، ليسمح بالانتخابات الفرعية، بسبب موقف المجتمع السلبي منها، مع رغبة القلّة بممارستها، متزامنة مع التخلص من أعبائها القانونية، هو ما جعل البعض يسارع، في أجواء تفاؤل وطني بمجلس للإنجاز، بوضع فيتو على من طبّق القانون، ولن تعوز أحداً الحجّة أو الحجج إذا ما استقر التصميم على (محاولة إحراج الوزير) وخلط الأوراق، كما تم أثناء المناقشة أول من أمس، عن طريق التمويه بأسماء على أنها أسماء أخرى، كما أشرنا سالفا.
الجديد في شجاعة الوزير، وموقف الحكومة في المواجهة، على الرغم من الشبهات الدستورية المؤكدة، وأيضا شجاعة عديد من الأعضاء الذين قرّروا أنْ (كفاية يعني كفاية)، وأنّ السفينة الكويتية يجب أن تسير في مياه هادئة، وأن الاستقرار أهمّ بكثير من تسجيل المواقف.
الشعب الكويتي بانتظار الأربعاء المقبل، متفائلين بأن الحكمة هي التي سوف تسود.
mohammad.rumaihi@awan.com
تاريخ النشر : 2009-06-25