السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

كارادجيتش.. شاعر تحوّل 
إلى جزّار!



Sunday, 27 يوليو 2008
د.محمد حسين اليوسفي

يصعب تصور أن يكون الشاعر، برقته وبحساسيته وبعواطفه الجياشة التي تفيض بها قصائده، مجرم حرب، يأمر بقتل أناس أبرياء، لأنه ببساطة يعتبرهم من أعدائه. ولو كان هؤلاء الأعداء من المقاتلين الذين يريدون به سوءاً لملك كل العذر للدفاع عن نفسه، أما أن يكون هؤلاء -من يصنفهم بأعداء- هم من المدنيين، وسوادهم الأعظم من الشيوخ والأطفال والنساء المنهكين جراء حصار دام 43 شهراً، فإن ذلك ما لا يصدقه العقل!!

إنه حال المتهم رادوفان كارادجيتش (آخر مخلفات الحرب الباردة) الذي ما إن انتشر نبأ اعتقاله حتى عمّت الفرحة مدينة ساراييفو، وهي حاضرة البوسنة، حيث أذاقها هو وزميله الفار راتكو ميلاديتش سوء العذاب، في الحرب القذرة التي استمرت في وسط أوروبا فيما كان يعرف بيوغسلافيا ثلاث سنوات من العام 1992 إلى العام 1995، وكانت نهايتها تلك المجزرة البشعة التي راح ضحيتها حوالي ثمانية آلاف مسلم في سريبرينيتسا، الواقعة شرق البوسنة، في يوليو من ذلك العام!!

بعد مطاردة دامت ثلاث عشرة سنة وقع كارادجيتش في الفخ، والغريب إنه كان يتكسب من مهنة إنسانية، وهي الطب البديل. ويبدو أن كارادجيتش كان يحسن التخفي والتمثيل، وذلك لتضلعه بقراءة نفسية البشر، كونه شاعراً في المقام الأول وطبيباً نفسانياً حاصلاً على شهادة اختصاص في مجال الاضطرابات العصبية والاكتئاب في العام 1971!! ولا شك أن قدراته على التخفي كانت كبيرة بدليل تلك الصورة التي نشرت له ويبدو فيها مختلفاً اشد الاختلاف عن صورته الأصلية التي كنا نراها أيام حرب البوسنة. ومما لا شك فيه أيضاً أن النزعة القومية المتطرفة عند الكثيرين في منطقته وشعورهم بأن الغرب قد دمر صربيا ومن قبلها يوغسلافيا قد حمته طوال هذه المدة الطويلة، وهي التي تحمي زميله ميلاديتش.

ترى، ما الذي حول شاعراً وطبيباً نفسانياً إلى مجرم حرب يرتكب أفظع صنوف القتل؟ ربما تكون النزعة القومية المتطرفة، مقرونة بنزعة سياسية ميكيافلية تعتقد أن الغاية تبرر الوسيلة ولا تقيم وزناً للسبل الأخلاقية في تحقيق الأهداف السياسية العامة. وكانت غاية كارادجيتش، الذي تسلم رئاسة الحزب الديمقراطي الصربي (وهو حزب صربي قومي متطرف) في العام 1990إعادة يوغسلافيا السابقة بعد أن تحولت إلى أشلاء إثر وفاة مؤسسها الجنرال تيتو!!

ولا شك أن اعتقال كارادجيتش وتقديمه للمحاكمة درس آخر للطغاة بأن يد العدالة ستطالهم إن عاجلاً أو آجلاً.. ووجود محكمة دولية كتلك التي في لاهاي ضرورة لنظام عدالة جديد آخذ بالتشكل يتجاوز حدود الدول التي طالما تحصّن وراءها الطغاة تحت يافطة «السيادة»!! وكل الأمل أن يستمر نضال الإنسانية كي تطال سلطة المحكمة الجميع، بغض النظر عن حجم الدولة وسلطانها!!

Mohammad.Alyusefi@awan.com

لا يوجد اي تقييم للموضوع

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.