ما بين كرادجيتش ودارفور
![]() |
ظهر زعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كرادجيتش، وهو الهارب من وجه العدالة الدولية منذ عقد ونيف بهيئة غريبة جعلته أقرب ما يكون إلى المشعوذ الروسي راسبوتين. هذا السفاح الصربي تمت إدانته بتهمة الإبادة خلال تراجيديا حرب البوسنة في النصف الأول من عقد التسعينيات من القرن المنصرم، وإليه تنسب يقيناً مذبحة سريبرنيتسا التي روعت بدرجة وحشيتها ومعدلات ضحاياها آنذاك أوروبا وبقية العالم. وعلى الرغم من أن القبض عليه يعد إنجازاً كبيراً نحو تحقيق العدالة في فظائع حرب البلقان، إلا أن هناك ثلة من القتلة مازالوا طلقاء وبعيدين عن قبضة القانون وفي مقدمتهم راتكو ميلاديتش، أداة كرادجيتش التنفيذية في اقتراف الإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة، والمشرف الرئيس على مسرح الجريمة.
والحال كذلك، بدا أن القبض على كرادجيتش شكل مفاجأة من نوع ما، ضاعفتها ما كشف من معلومات عن كونه لم يغادر العاصمة بلغراد، وأقام فيها طيلة الوقت، بل واتخذ لنفسه مهنة جديدة، حيث مارس ما يطلق عليه الطب البديل. كما أنه لم يتورع عن الظهور العلني بإلقاء محاضرات، والمشاركة بأخرى والكتابة لمجلات، إذ كان يبشر بطريقة جديدة يمكن من خلالها إطالة حياة المرء! وتلك في الحقيقة تعكس ضرباً من الغطرسة والوقاحة مما استقر عميقاً في شخصية قاتل كهذا، وبإمكاننا قياساً على ذلك تخيل مدى الإجرام والشراسة اللذين أوغلت فيهما نفس سيكوباتية كتلك.
تعددت التحليلات والاجتهادات في محاولة معرفة أسباب القبض على كرادجيتش في هذه اللحظة وليس قبلها أو بعدها. فهناك من قال إن الجسارة التي أبداها القاتل لم تكن لتتحقق لو لم يكن هو نفسه مدركاً بأن يتمتع بحماية الدولة الصربية، وبأن هويته الجديدة وحياته المختلفة لم يكن متاحاً له الظفر بهما لو لم تسهل له الحكومة الصربية وأجهزتها الخاصة السبيل إلى ذلك، ما يعني بصورة أخرى أنه كان إلى درجة ما يتمتع بحماية الحكومة الاستثنائية وبرعايتها الدائمة له.
ونحن إذا اعتمدنا هكذا قياس، بوسعنا القول إن الحراك السياسي في صربيا ما بعد حروب البلقان كان المؤثر الرئيس في كيفية التعامل مع استحقاقات تلك الحروب، فمن ذروة سيادة الروح القومية بعيد تفكك يوغسلافيا إلى انبعاث الديمقراطية في تعديلاتها المفككة وانتهاءً بهضم روح التغيير الديمقراطي، والوعي بما هو دائر في الفضاء الأوروبي، حيث كان الأخير على الدوام ينظر إلى البلقان وكأنه صداع حاد بدت أعراضه الجانبية تضرب في الرأي العام الأوروبي، وتشكل بالتالي ضغطاً كبيراً على الحكومات الأوروبية.
وبالفعل، فإن الحراك الديمقراطي –في المقام الأول– هو ما حدا بالحكومة الصربية إلى تسليم الرئيس السابق سلوبودان ميلوسوفيتش إلى المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة. آنذاك، لم يتوقع الكثيرون أن تسلم الحكومة الصربية الرئيس السابق إلى قبضة العدالة الدولية، في الوقت الذي كانت فيه روسيا تلقي بكل ثقلها وراء خيار عدم تسليم ميلوسوفيتش، سوى أن القراءة الحكيمة للحكومة الصربية للمتغيرات التي طرأت على المشهد الأوروبي وعلى الوجهة التي ابتدأت أوروبا بأسرها -وبخاصة كتلتها الشرقية- تتجه إليها، ناهيك عن القيم التي بدا وكأن أوروبا قاطبة قد عزمت على الانضواء تحتها، وقد أبانت بأن القراءة الواقعية للقيادة الصربية قد جعلها تسلك الطريق الصائبة في إعادة بناء الدولة والاندماج بمحيطها بكل يسر وسلاسة.
على هذا المنوال، يلوح أن حكومة بوريس تاديتش الحالية ذات الميول الغربية قد أدركت أنه لن يقيض لها أن تكون جزءاً فاعلاً وأساسياً من أوروبا الموحدة ما لم تبادر إلى تطهير الصديد الذي خلفته حروب البلقان، فالطموح إلى التقدم والازدهار وتبني قيم معاصرة، بدت وكأنها البوصلة التي تسير على هديها حكومة الرئيس تاديتش، وفي ذلك ما يفسر تهوينه، بل وإشاحة وجهه– وفي ذلك يشاركه بحسب نتائج الانتخابات الأخيرة قطاع عريض من المجتمع الصربي– عن أوهام الروح القومية، فالاقتصاد والتعاون والشراكة تجلت بكل يقين في نظرة أكثر رجحاناً وفائدة من دعاوى الرومانسية المبتذلة القائمة بسمو الدم والقومية، وهو في ذلك محق طالما أنه يعيش في قلب العصر وتاريخه.
ذلك الأمر يجعل الكثيرين على ثقة من أن حكومة الرئيس تاديتش ستسعى إلى إغلاق ملف حروب البلقان بأقصى سرعة ممكنة. وهو الأمر عينه الذي سيختزل مهمة القبض على بقية القتلة وبخاصة راتكو ميلاديتش لتصبح مسألة وقت لا يبدو أنه سيطول، فالرهان الحقيقي لحكومة صربيا بوجهها الديمقراطي الليبرالي سيكون البقاء من ضمن أوروبا الموحدة، وفي سبيل ذلك لن تقف تلك الحكومة أمام ما من شأنه أن يكون عائقاً أمام تحقيقها لذلك الهدف.
من جانب آخر، ليس في وسع المرء الامتناع عن إغراء إقامة مقارنة ما بين حادثة اعتقال كرادجيتش وسلوك الحكومة الصربية، وتطورات قرار المدعي العام لويس أكومبو بتوجيه الاتهام إلى شخصيات عدها مسؤولة عن مجازر دارفور، واضعاً في مقدمتها الرئيس السوداني عمر البشير، فالحكومة السودانية بادرت على الفور بالهجوم الشخصي على أكومبو، وبعدم الاعتراف بالمحكمة الجنائية، وكذلك تهديد القوات الأممية في دارفور، وقد تعرض أحد مسؤوليها بالفعل إلى الاعتداء على أيدي جنود سودانيين، فضلاً عن ذلك، فإن الرئيس البشير قد صرح بأن الأمر برمته مؤامرة أجنبية على السودان والإسلام معاً!
في الوقت الراهن، يبدو أن علاقة الدم قد استنفرت من خلال تصور تقدمت به الجامعة العربية لحل أزمة دارفور، من بينها أن السودان سيعمل على تشكيل محاكم خاصة لمقاضاة المتهمين بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، ولن يكون الرئيس السوداني نفسه محصناً منها! وتعضيداً لهكذا حل، وعد الرئيس السوداني بدوره بعضاً من أهل دارفور بتحسين البنية التحتية للأقاليم، وتزويده بالكهرباء، وبناء المزيد من المدارس والجامعات!
ذلك الأمر قد يبدو لا بأس به في عيون بعض السودانيين، ويحمل نوعاً من الوعود كانوا تطلعوا إليها منذ زمن طويل، ولكن الإشكالية الكبرى هنا تكمن في أن دارفور ليست أزمة محلية، بل قضية إنسانية عالمية أصبحت على قائمة أولويات العديد من المنظمات العالمية، فهي قد شكلت مع قرار المدعي العام أكومبو، بداية لظهور عضل الضمير العالمي وقوته التي طالما تم انتظارها، وذلك أمر لا يبدو أن المعنيين به قد أدركوه، أو ربما في أحسن الأحوال، إذا استعرنا مصطلحاً من مهنة كرادجيتش الأصلية –الطب النفسي– ما برحوا يعيشون مرحلة الإنكار.
كاتب كويتي







أضف تعليقك