السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

إلى أين تشير البوصلة التركمانية؟



Sunday, 7 سبتمبر 2008

كركوك - نقاش: في داخل مدينة كركوك (مركز المحافظة) يشكل التركمان أغلبية واضحة، تستطيع تلمسها من تعداد الأحياء التي يقطنونها ومن مقابلة المارة.

فهم منذ أن بدأت هجراتهم إلى العراق، مع الفتح الإسلامي لأجزاء من شمال شرق أسيا (تركمانستان)، لم ينقطعوا عن الاستيطان في المدن التي ارتبطت باحترافهم مهنة التجارة، على خلاف جيرانهم الكرد، الذين كان النشاط الزراعي سائدا في مجتمعاتهم.

سعيد البياتي، وهو صاحب محل لبيع الأقمشة في شارع الجمهورية، يؤكد أن أبناء قوميته «تجار أبا عن جد»، ويدعونا للتجول في شارع الجمهورية وشارع أطلس (من الشوارع التجارية الرئيسة في كركوك) حيث «ستجد الدكاكين ويافطاتها المكتوبة بالتركمانية».

«هم لا يختصون بنوع محدد من البضائع، لكنهم يسيطرون على السوق»؛ هذا ما يقوله بائع الأقمشة، الذي يروي لنا ضاحكا طرائف يتداولها سكان المدينة عن ثراء التركمان؛ ولكن عن تقتيرهم في صرف المال أيضا!

ويعلق البياتي «التركمان ليسوا بخلاء كما تقول النكات، لكن من يعمل بالتجارة يعلم أن النقود يمكنها أن تجلب نقودا أخرى».

ويبدو أنه العقل التجاري هو الذي أتاح للتركمان حياة اقتصادية تبدو أكثر استقرارا، قياسا بالكرد أو العرب.

ولا ينحصر الوجود التركماني في كركوك، لكن المدينة المتنازع عليها بين العرب والكرد والتركمان تشكل مركزا سياسيا لأحزابهم ومنظماتهم المدنية، وهي «قلب التركمان» كما يرددون دوما.

ولا توجد إحصاءات تشير إلى عدد التركمان الحالي في المدينة، أو في سائر المدن العراقية. وقدرت مجلة إينكويري البريطانية، عددهم في عموم العراق، في فبراير (شباط) 1987، بنحو مليون ونصف مليون تركماني، يتوزعون على مذهبي السنة والشيعة.

لكن لا توجد إحصاءات موثوقة إلى الآن، ولاسيما أن آخر إحصاء رسمي متفق عليه بين القوميات الأساسية، يعود إلى نصف قرن مضى، وجرى إبان العهد الملكي، إذ قدر إحصاء 1957 عددهم بنصف مليون في العراق ككل، معتبرا إياهم ثاني أكبر قومية في كركوك بعد الكرد.

وينتظر العراقيون الإحصاء المنتظر، الذي قالت الحكومة العراقية إنها ستجريه العام 2009، لتحديد نسب القوميات والأقليات ومن ضمنها التركمان في «العراق الجديد».

ويتوزع الشيعة التركمان في مدن تلعفر في محافظة الموصل، وطوز خرماتو في محافظة صلاح الدين، وناحية تازة في محافظة كركوك، أما السنة فأغلبهم في قضاء كفري في ديالى وفي مدينة كركوك.

لكن الحساسيات الطائفية غير موجودة بين التركمان السنة والشيعة على المستوى الاجتماعي، و«الزيجات في كركوك تشهد بذلك»، على ما أكد معلم مدرسة ابتدائية تركمانية التقته (نقاش). وتابع المعلم «يوم كان العراق يشهد تصفية طائفية في معظم مدنه، لم يسمع أحد أن تركمانيا شيعيا قتل تركمانيا سنيا..هذا أعطى قوة لقوميتنا، وتماسكا نحن في حاجة إليه».

هذا الانسجام الاجتماعي بين السنة والشيعة التركمان، لا تجده في السياسة، ولا ينعكس على الأحزاب التي تمثلهم.

فالمتابع للشأن التركماني سيجد أن هناك أحزابا شيعية تركمانية، وهي ذات توجه إسلامي جعلها تتصل بالائتلاف العراقي الشيعي الموحد (أكبر كتلة برلمانية عربية)، في تحالفات أفضت إلى صعود شخصيات قليلة إلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية العراقية.

الاتحاد الإسلامي مثلا، وهو أكبر هذه الأحزاب، لديه مقعد واحد فقط في البرلمان من بين مقاعد الائتلاف الـ 128، يحتله أمينه العام عباس البياتي. ولم تسمح قلة عدد المقاعد للحزب بإبراز صوته داخل الائتلاف، وجعلته يمشي مع الأخير في تحالفاته المعقودة مع الأحزاب الكردية في إقليم كردستان.

أما في انتخابات مجلس محافظة كركوك، فقد حصلوا على مقعد واحد أيضا للنائب تحسين كهية، الأمر الذي لا يشير إلى شعبية كبيرة لهم بين تركمان كركوك.

ولكن كيف هي علاقة الحزب بتركيا؟ سألنا كهية فقال «هي كعلاقة باقي الأحزاب العراقية مع تركيا. لم نتلق الدعم منهم، لكننا لا نعيب على أي حزب تركماني له صلات مع الجارة الشمالية. إنها وجهات نظر مختلفة».

ولو نظرنا إلى التركمان السنة، وأحزابهم السياسية، فسنلمس العكس، إذ إن التوجه السياسي الديني ضعيف للغاية، بينما القومي هو من يحرك الأنصار، والعلاقة بتركيا متينة وبالكرد متداعية.

الجبهة التركمانية التي أسست العام 1995، وبدعم مباشر من تركيا، هي المظلة التي تحوي الأحزاب الكبيرة؛ مثل الحزب الوطني التركماني، وحزب المستقلين التركمان وغيرها، ولديها 8 مقاعد في مجلس المحافظة.

وهذه الأحزاب لا تنفك عن الاصطدام المعلن مع الكرد، ويتعامل الإعلام مع مواقفها دائما بوصفه ممثلا لرأي التركمان، فالأحزاب الشيعية التركمانية وشخصياتها غالبا ما تكون أقل حدة في مطالبها فيما يخص كركوك، وتتبع الائتلاف العراقي الشيعي ووجهة نظره.

وتمثل الجبهة التركمانية المدعومة من تركيا نحو 35 في المئة فقط، من تركمان كركوك، حسب تقديرات مصادر من داخلها، استنادا على الانتخابات الأخيرة، وهذا رقم قليل إذا ما علمنا أن الجبهة تسعى دوما لبناء صلات مع الشارع التركماني، عبر مساعدة الفقراء بتوزيع المساعدات المالية والغذائية، وتوفير خدمة علاجية لمن أصيبوا بأمراض مزمنة، وإرسالهم إلى المستشفيات التركية على حسابها.

ويشير هذا الرقم أيضا إلى أن معظم التركمان في كركوك غير مسيّسين حزبيا، ولاسيما أن الجبهة تعد الأوسع تمثيلا شعبيا، بالقياس مع بقية الأحزاب.

وتعد الأحزاب التركمانية في إقليم كردستان القسم الثالث للتوجه السياسي التركماني. فتلك الأحزاب وإن كانت ذات توجه قومي، لكن سقف مطالبها محكوم برؤية الأحزاب الكردية، إذ يؤمنون مثلا بإلحاق كركوك بكردستان العراق، لذا ليس لديهم تمثيل فعلي في كركوك.

ومنذ 2003 إلى الآن، لم يبرز لهم موقف خاص من النزاع، أو ذكرهم الإعلام أيا كانت هويته، بدور يحسب لهم.

أما أهم أحزابهم فهي الحزب الديمقراطي التركماني الكردستاني، وحزب الاتحاد التركماني، وحزب الإخاء، وحزب الشروق.

واعتادت الأحزاب التركمانية في كركوك أن تنعتهم بـ «الدمى» التي تحركها أيدي القيادات الكردية التي «تستعملهم لإثبات أن التركمان يودون الارتباط الإداري بإقليم كردستان».

الأساسي في مجمل هذه الأحزاب، أن أيا منها لا يطالب أو يطمح بحكم ذاتي تركماني، وليس هناك منها من يقول إن كركوك تركمانية بالمطلق.

أما مطالبها الحزبية التركمانية، فهي في أقصى حدودها، لا تتعدى الإدارة المشتركة للمدينة مع الكرد والعرب.

وبشأن انضمام المدينة لإقليم كردستان، فلا شك في أن أغلب الأحزاب والأهالي التركمان، يعارضون ذلك بشدة.

وتحرص معظم الأحزاب التركمانية على أن يرفعوا العلم السماوي الذي يتوسطه الهلال، والذي يمثل قوميتهم، فوق بنايات الأحزاب التركمانية، بحيث تكون ساريته أقصر كثيرا من سارية علم العراق، في إشارة إلى ارتباطهم بالحكومة المركزية.

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.