عبدالعزيز السريع: المسرح النوعي وحده لا يكفي!
![]() |
عبدالعزيز السريع رجل يحمل ما تبقى من المسرح- الحلم الذي ما زال يراودنا موسوماً بألقاب الجيل الذهبي. تاريخه يحمل الكثير من المسرحيات المهمة التي شاهدناها فرحين بتفكيك رمزيتها البسيطة والذكية لإنتاج مُشاهد يوقن بأن المسرح ليس خشبة ونصوصاً تلقى بصوتٍ عال، بل ان العملية أهم وأعمق من ذلك. «أوان» حاورت السريع لتتحدث معه عن تجربته ورؤيته تجاه المسرح الكويتي ومقارنات الجيلين الماضي والحاضر.
{ كانت لك كتابات مختلفة، لكنك لطالما وجدت نفسك في الكتابة المسرحية، فماذا قدمت لك؟
- الكتابة المسرحية كانت هواية استمرت معي منذ أيام المدرسة ومروراً بمتابعة العروض العامة. كان لدي شغف بالفرجة ومن ثم انغمست بالكتابة المسرحية حيث وجدت متعتي. كل ما عدا المسرح كان هامشاً لكن في الأساس أنا مسرحي ليس فقط ككاتب بل أيضاً كعامل انغمس في الإدارة والعروض وتكوين الفرق، أي بمعنى الصناعة المسرحية الشمولية من عناصر وموازنة وتسويق للمسرح بدافع المحبة والمتعة. حين كنا نؤسس فرقة مسرح الخليج العربي لم يكن وارداً بأن نحصل على مقابل مادي وكنا جميعاً موظفين ولم يكن لدينا غير المسرح كنشاط وهواية على الرغم من أننا وصلنا إلى الاحتراف في مرحلة ما، ولكننا اضطررنا لممارسة المسرح بشكل جانبي باعتبارها متعتنا الرئيسية، ولطالما كان استقبال عروضنا جيداً.
مسرح السبعينيات كان متنوعاً لا نوعياً
{ ما الذي كان يميز الصناعة المسرحية في الستينيات والسبعينيات عن الآن؟
- كان هنالك نوع من التوافق في العناصر المسرحية، فكان هنالك دعم ومواهب مميزة وسوق عطشان وجمهور متلهف للعروض. كل هذه العناصر تضافرت ودفعت بالمسرح للتشكل ومن ثم التطور والتنوع. ولم يكن مسرحاً نوعياً بل متنوعاً ويشمل المسرح الخفيف الذي لا يمكن الاستغناء عنه. كانت هنالك عروض شعبية وأخرى كوميدية وجادة ونوعية، لا يمكن أن يحدث مسرح ما النجاح دون التنوع بالترافق مع الدعم المادي والمعنوي من المؤسسات والجمهور. في بدايات المسرح الكويتي لم يكن هنالك رصيد معرفي أو تاريخي ننطلق منه، وكان الكل يتلمس طريقه، لذا اعتمدنا على التجريب وذلك نتج عن مسرحيات ممتعة لعبدالرحمن الضويحي جمعت المواهب الناجحة، بينما قدم عبد الحسين عبد الرضا وخالد النفيسي وسعد الفرج وغانم الصالح عروضاً تعكس ما تعلموه من الراحل زكي طليمات من فهم للمسرح. بينما كنا في مسرح الخليج العربي الذي ترعرعت فيه مع رفيقي صقر الرشود نظن بأننا مختلفين مما جعلنا نحاول أن نعبر عن أفكارنا بجرأة وقسوة. قبل ذلك كان الراحل النشمي قد أسس مسرحاً مرتجلاً يعتمد على خفة الظل والخاطرة والثقافة الشعبية الواسعة. كنا نحاول أن نطور أنفسنا عبر القراءة المكثفة والمشاهدة والحوار الدائم وكنا نستقطب النخب، ولم تكن عروضنا تستمر بقدر عروض الفرق الأخرى، إلى أن أصبحت تستمر لفترات طويلة تنافس العروض الأخرى مع المثابرة ومحاولة فهم المعادلة المسرحية ما بين الفنان والمشاهد.
الدولة سابقاً كانت نهضوية
{ آنذاك، كان هنالك حراك فكري دفع بالحركة المسرحية إلى أن تنطلق في تكوين ذاتها، ويلاحظ البعض بأن مع انطفاء هذا الحراك فقد المسرح الكويتي القديم استمراريته. هل يعني ذلك بأنكم أسستم مسرحاً لتسويق أفكار معينة لا أكثر؟
- المسرح يمر دائماً بحالات من فقدان التواصل مع الناس حين يتوجه الناس إلى منافذ أخرى وهذا ما حصل مع اختراع الراديو وبعد ذلك السينما ومن ثم التلفزيون، ونحن الآن في عالم مفتوح جداً وواسع، لذا فمن الطبيعي أن نمر بحالات تذبذب. لكن يظل المسرح المارد الذي يعود ليرفع رأسه مرة أخرى. الحالة المسرحية المتوهجة في الستينيات والسبعينيات كانت حالة عربية مشتركة توازت مع ازدهار شامل وعام وعروض ومسارح فعالة وحركة نقدية وجماهير واعية ومتابعة. وما يمر به المسرح الكويتي من فقدان لمتابعيه ليس بحالة محلية فقط، بل إنها تحدث حتى في الغرب، حيث يتوجه الجيل الجديد إلى أشكال أخرى من الفن، لكن المسرح يعود ليستعيد عافيته دائماً.
{ في السابق، كان هاجسكم تطوير أدواتكم والبحث عن آفاق جديدة لأعمالكم، الآن بات هاجس الفنان الكويتي البحث عن دعم حكومي، فكيف نتنظر منه أن يحدث نهضة مسرحية؟
- الدولة سابقاً كانت نهضوية وتدعم كل أشكال النهضة وتنفق الكثير لتأسيس البنية التحتية، حيث أسسنا الفرق رغم أننا لم نكن موعودين بأي دعم وكنا هواة، مازلت أتذكر أجور الممثلات الذي لم يتعد الـ20 دينارا! صيغة التعامل بين الفرقة والفنان مختلفة، الآن التعاقد بالليلة، بمعنى أن الفرقة يجب أن يكون لديها إمكانيات للإنتاج، مما ينتهي بنا من دون إنتاج! أول معونة حكومية كانت بسيطة جداً ووصلت إلى الـ16 ألف دينار ولم تتغير إلى الآن على الرغم من غلاء الأجور والأسعار بحكم أن الفنان سيحصل على مقابل من العرض! وفي أميركا التي تعتمد على نظرية «اقتصاد السوق» صُرف 850 مليون دولار لمسارح بروداوي عام 1964لمساندتهم، عدا دعم الجمعيات والمؤسسات المختلفة.
بعيداً عن استعراض العضلات
{ أنتم نجحتم في خلق بداية لمسرح كويتي، لكن هل اهتممتم بخلق الاستمرارية من بعدكم؟
- هنالك استمرارية بكل تأكيد، وهنالك مواهب جديدة لكننا لا يمكن أن نلومهم على عدم تقديمهم لعروض تملأ الفراغ فهي ليست قضية استعراض عضلات بل تحتاج لإمكانيات، والآن الفرق تعتمد بشكل كبير على العمل التطوعي.
{ هل الحل في الفرق الخاصة؟ هل أضافت الفرق الخاصة، حين وُجدت، أي فارق؟
- التعبير ليس دقيقا
فلا توجد فرق خاصة في الكويت بل منتجين بتراخيص لكنهم بلا فرّق فهم يختارون عناصر العرض من السوق ومن ثم يوزعون الأجور بموجب الاتفاقات بين المنتج والفنانين كل على حدة دون أن تكون صلة ثابتة. الفرق المسرحية المصرية في مطالع القرن العشرين كانت فرقا تصرف رواتب شهرية لأعضائها المتفرغين للعمل لها فقط. هذا لا يعني أن التكوين الذي لدينا خاطئ، بل هو تكوين مبتكر وجميل، لكنه لا يصل بالفنانين إلى الاحتراف والتفرغ والتطور المستمر.
{ ماذا تنتظر من المسرح؟
- أن ينهض مجددا ويكون مختلفاً، لكن متى؟ لا أعلم!




أضف تعليقك