السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

لماذا يتوقف المسرح في رمضان وتنهال على رؤوسنا المسلسلات؟!



Sunday, 7 سبتمبر 2008
القاهرة- إبراهيم الحسيني

قليلة هي، بل نادرة تلك العروض المسرحية التي تُقدم في الشهر الكريم، فهل هذه دعوة من المشتغلين بفن المسرح في مصر بضرورة التوجه إلى مسلسلات رمضان وبرامجه الكوميدية بدلاً من الذهاب إلى المسرح، أم أن فن المسرح يتعارض مع عبادة الصوم وما تتطلبها من خشوع وزهد و... و..؟! ألا يستطيع هذا الفن العبقري أن يُنمي داخلنا هذه المشاعر الإيمانية بطرق أفضل وأكثر تأثيراً من الدرامات التلفزيونية وبرامج التوك شو الكوميدية الخفيفة، والتافهة أحياناً أخرى؟!

نستطيع أن نقول إن العرض المسرحي بكل مفرداته المرئية والمسموعة قادرة على احتواء جميع الفنون الأدائية الأخرى داخله، سواء كانت هذه الفنون مرئية صامتة تتعلق بالنحت، التصوير، الكولاج، البرفورمانس،... أو المرئية كالسينما، الغناء، ... أو تلك المسموعة الخاصة بالإذاعة، إضافة إلى هذا الحشد الجمالي والفكري الغني الذي تقدمه لنا فنون السينوغرافيا المعنية بكل ما هو مرئي داخل الفضاء المسرحي من ديكورات، ملابس، حركة ممثل، إضاءة، ... وإذا ما نحّينا كل هذه التفاصيل يكفي المسرح هذا اللقاء الحميمي الحي المباشر مع الجماهير، فالتأثيرات الجمالية والفكرية هذه تصل إلى المتفرج الجالس على بُعد خطوات من الممثل لحظة إرسالها، استيعابها يتم لحظياً من دون الحاجة إلى وسيط ومن دون شعور بفكرة التحنيط التي يدركها المتفرج على رغم عدم تصريحه بها عندما يتفرج على مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي أو يستمع إلى مسلسل إذاعي، هناك وسيط زمني يتم نقل العمل التلفزيوني والسينمائي من خلاله، هذا الفاصل الزمني يظل كامناً في لا شعور المتفرج يمنعه من الالتصاق الحميمي بالعمل الفني بالقدر نفسه الذي يُتيحه له المسرح، ومن هنا تم إطلاق كلمة «أبو الفنون» على المسرح، ليس لسبقه هذه الفنون الأدائية كلها في الظهور إلى الحياة، لكن لقدرته على احتوائها جميعاً على خشبته، وربما هذا هو ما يُفسر بقاء المسرح حياً بعد ظهور فنون السينما، التلفزيون، الإذاعة...

فهل يمكن لنا أن نتصور مع هذا الحشد العربي الضخم للمسلسلات الرمضانية التلفزيونية والإذاعية اختفاء المسرح أو إزاحته إلى أحد الأركان البعيدة عن متناول المتفرج؟ قد يبدو ذلك مُـدهشاً في مصر مثلاً، وداعياً للتساؤل خصوصاً إذا عرفنا أن مصر تنتج سنوياً ما يزيد على 1000 عرض مسرحي، تتنوع ما بين مسارح القطاع الخاص التي يُقدمها عادل إمام، سمير غانم، أحمد بدير، شعبان عبدالرحيم، محمد صبحي، ومسرح الدولة الذي استقطب إليه في الفترة الأخيرة بعض نجوم الصف الأول في المسارح الخاصة كمحمد نجم، فيفي عبده، إضافة إلى بعض نجوم الدراما التلفزيونية كيحيى الفخراني، نور الشريف، حسين فهمي، توفيق عبدالحميد، ومسرح الهيئة العامة لقصور الثقافة، أو ما يُـطلق عليه حتى الآن وفقاً لتسميته القديمة «مسرح الثقافة الجماهيرية»، وهذا الرافد المسرحي مسؤول وحده عن إنتاج ما يزيد على 300 عرض مسرحي سنوياً تتفاوت تكلفتها الإنتاجية ما بين 200 دولار إلى 10 آلاف دولار، وخطورة هذا الرافد المسرحي هو انتشاره الجغرافي الذي يُغطي كل مدن وقرى ونجوع مصر، وداخل هذا المسرح الإقليمي الذي يُطلق عليه بعضهم «حائط الصد الأخير» للمسرح المصري يمكنك أن تتعرف على مواهب حقيقية في كل مجالات الحياة الأدبية والفنية، سواء كانت مواهب تتعلق بالكتابة على مختلف أنواعهــا أو بالتمثيل والغناء والتشكيل، أو بالإخراج، أو غيرها من المواهب في مجالات أخرى، وهناك المسرح الجامعي بمهرجاناته المختلفة، والمسرح المستقل، ومسرح الهواة، المسرح الكنسي، المدرسي، المسرح الذي تنتجه المراكز الثقافية الأجنبية والوطنية.

كل هذه الروافد المسرحية بأنواعها المتعددة تُوقف نشاطها المسرحي في رمضان، إلا فيما ندر منها، وإذا ما بحثنا عن بعض العروض المسرحية التي يمكن للمشاهد المصري أو غير المصري المتواجد على أرض مصر مشاهدتها سنجدها - مثلاً- تتمثل في إعادة بعض العروض المسرحية التي قدمت في أبريل(نيسان) الماضي ضمن مهرجان الخمسين ليلة وليلة الذي أقامه مركز الهناجر للفنون؛ ومنها: «انت دايس على قلبي» من كتابة وإخراج عبير علي، «طعم الصبار» إخراج عزة الحسيني، والعرض الأخير مستوحى من مأساة أنتيجونا الإغريقية الشهيرة التي عالجها قبلاً أوائل كتّاب الإغريق سوفوكليس، يوربيدس، وتمت معالجتها بعد ذلك عشرات المرات في العالم، ثم يُقدم مركز الإبداع الفني إعادة لعرض «قهوة سادة» الذي قُدم قبلاً كمشروع إبداعي لطلاب المجموعة الثانية للورشة التي يقيمها المركز، ويُشرف عليها المخرج خالد جلال، أما مسارح الثقافة الجماهيرية فتُغلق مسارحها تماماً إلا من بعض الأمسيات الاحتفالية الرمضانية المتنوعة، أيضاً مسارح الدولة تغلق أبوابها وتكتفي بهذا العرض الإنشادي الديني الذي يُـقدمه المخرج حمدي أبو العلا لمسرح فرقة الغد للعروض التجريبية، وهو مجرد أنشودة دينية في حُب الشهر الكريم، وجميع هذه العروض ومعها الاحتفالات والسهرات الرمضانية المتنوعة (التخت العربي، الطنبورة، العرائس، الإنشاد، السيرة الهلالية، الأغاني الشعبية والنوبية، التنورة،..) كلها تفتح أولى لياليها بعد الأسبوع الأول من شهر رمضان وكأنها بهذا تُعطي فرصة لمتفرج الدراما التلفزيونية تحديد أولوياته المفترضة واختياراته ما بين البدائل المتنوعة والمتاحة لدرامات رمضان ليُقرر بعدها إذا كان سيستمر أمام شاشة التليفزيون أم سيتركها للذهاب للمسرح!

هل ستستمر حالة إقصاء المسرح في الشهر الكريم إلى الأركان طوال سنوات أخرى قادمة أم أنه سيُعاد النظر في ذلك، ويُمكن لنا مُشاهدة أعمال مسرحية رمضانية تراثية، دينية، كوميدية لها ما لها مما يليق بأدبيات وأخلاقيات شهر الصيام، ربما سيكون ذلك مـُخلّصاً لنا من تكدس وتزاحم المسلسلات فوق رؤوسنا، ربما...؟!

صور إضافية للخبر:
    


أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.