السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

جوردانو برونو.. ومعركة التنوير التي لا تنتهي



Sunday, 7 سبتمبر 2008
منصور مبارك

من تشدّه الفلسفة أو تاريخ الفكر الأوروبي، أكان ذلك ثقافة أو تخصصا، لابد وأن يتوقف عند اسم «جوردانو برونو»، إذ بدا هذا الرجل وسيرته كما لو أنه ارتقى إلى سوية الشهيد الذي كان قتله فاتورة واجبة السداد لانتصار فكر النهضة الأوروبي وتاليا فكر التنوير، وكأن ذكره قد اختزل في ما قدمه من تضحية بحياته، فما عاد الأمر يتطلب مزيد قول أو استفاضة. إذ في العام ،1600 في ميدان كامبو دي نيوري في روما، حيث كانت تقام ساحة الإعدام الرئيسة، وفي يوم يسمى «رماد الأربعاء»، اقتيد الفيلسوف جوردانو برونو، وقد كان سابقاً رجل دين تخرج من إحدى المدارس الدينية وهو في السادسة والعشرين من عمره، بعدما حاز على ما يوازي شهادة الدكتوراه في الفلسفة وعلوم الدين.

كان ذلك اليوم قد اختير بعناية، إذ إنه اليوم المعروف عهدذاك بيوم التكفير عن الخطيئة في الفكر المسيحي. واختار ذلك اليوم تحديدا البابا كليمنت الثامن لأنه صادف مرور 1600 عام على قيام الكنيسة. فقد لاح له أن احتفالا كهذا كان إعدام واحد من أكبر المهرطقين سيضفي عليه قدرا كبيرا من الجلال. وقد اقتيد برونو إلى ميدان كومبو على بغل، إذ كانت تلك في ذلك الزمن الوسيلة التقليدية لنقل المرء الذي يتجه إلى موته. كما أنها من جانب آخر وسيلة مثلى لمن قضى سنوات في زنزانات محاكم التفتيش ولم تعد قدماه قادرتين على حمله. وما إن وصل إلى مكان الاحتفال الدموي، واعتلى المحرقة حتى وضع الصليب على وجهه. حينذاك أدار برونو وجهه غاضباً، إذ لم يكن قادراً على الحديث، فقد سدّ فمه بلجام جلدي، وتذهب بعض الروايات التاريخية إلى أن مهمازاً معدنياً قد اخترق لسانه، فشد وثاقه على عمود وأشعلت نيران المحرقة. وما إن انطفأت نيران المحرقة بعدما التهمت حطبها البشري حتى كنست بقايا برونو والقي بها في نهر تايبر.

كانت أفكار برونو استشرافاً لما سيكون عليه المستقبل، إذ طالت في جوهرها القضايا الكبرى التي تلامس حياة الإنسان وفكره.. وعلى قدر مأساوية حياة برونو ومصيره كانت شراسة المعركة ما بين فكر قديم أخذ بالتضعضع وارتخت قبضته، وفكر جديد ينازع كي يجد موطئ قدم له. ألقى برونو وغيره من المفكرين حجراً في المياه الراكدة، أخطر ما تتأتى عنه أنه ليس بالضرورة ثمة ثبات وجمود محتم في المجتمع على كافة المستويات الفكرية والروحية والثقافية أو صورة واحدة له، وليست جميع الحقائق الموروثة هي يقينا صائبة.. وتلك معركة مازالت قوى التنوير تخوضها في غير مكان وزمان.

الإسهام الأبرز لحركة التنوير يتمثل في تشجيعها على التفكير التاريخي. وحينما ننظر إلى مفكري عصر التنوير، وبخاصة المبرزون منهم، سنجد ثمة اجماعاً بينهم على أن الإنسان خاضع لحركة التاريخ، وبالتالي فإن صيرورة التاريخ تجعل من الحقائق الاجتماعية في أي زمن من الأزمان عرضة للتحولات والتغيرات، بل إن التاريخ نفسه يغدو محض عملية لا تتوقف من التقدم وبالتالي التغيّر.

تأسيسياً على ذلك، فإن أية حركة للتنوير، يكون مدماكها الرئيس الإيمان بأن الإنسان قادر على أن يجترح بيديه عالماً جديداً.. وتحديداً فإن ذلك الإيمان بقدرة الإنسان على إحداث التغيير والتعديل على ظروف حياته وتحسينها، هل ما حدت الفكر التاريخي على النظر دوماً إلى الأمام باتجاه المستقبل، لا أن تكون بصيرته معلقة على الماضي وأفكاره. جوهر التنوير ينهض على أن عملية التقدم متاحة وممكنة للإنسان متى ما استخدم عقله وارتكن إليه، بوصفه الأداة الوحيدة لاكتشاف الحقائق والمعارف وتقييمها وفحصها، ومن ثم تطبيق تلك الحقائق والمعارف لخدمة الإنسانية. ولا ريب أن الفكر التنويري على النقيض من ممارسات أخرى يقدم دعوة مفتوحة للإنسان كي يوظف طاقاته الإبداعية على نحو مثير ومشوق.. وذلك كما هو معلوم، كان تحولاً مفصليا في تاريخ أوروبا في القرن الثامن عشر، حيث شاع إيمان جديد مفاده أن الإنسان بوسعه إن يصنع مستقبله بنفسه دون وصاية من أية قوة مهما كانت، وفي الوقت عينه غدا من غير المستساغ قبول فكرة الحياة المرسومة سلفاً، وآية ذلك أن المجتمعات الأوروبية، مع هبوب رياح التنوير، أصبحت أقل قدرية في تعاملها مع مفاهيم الموت والمرض وغير ذلك. فقد انتهى الإنسان إلى يقين مفاده أن حياته متى ما بذل الجهد الملاءم بالإمكان أن يطرأ عليها تحسن وتبدل لطالما تمناه. بيد أن اعتناق مثل التنوير ومبادئه بأكملها، يبدو أمراً في غاية الصعوبة. إذ إن فكرة التقدم التاريخي بما تتضمنه من نهايات مفتوحة تبدو أحيانا وكأنها تنفث في دواخل الناس القلق من انعدام يقين ما.. وأذكر هنا نموذجاً على معارضة قيم التنوير لايزال متقدا ومتأججا، وبخاصة في ميدان الفكر الديني. إذ كانت الراحلة الأم تيريزا في جهودها المديدة لمكافحة المرض والفقر تزرع في نفوس رعاياها، وهي القديسة المتوجة من حاضرة الفاتيكان، بأن المرض والموت هما قدران لا مفر للبشر منهما، واتباعاً لهذه القاعدة الفقهية كانت تحجب عن مرضاها مسكنات الألم، طالما أن الألم في عقيدتها رفيق للإيمان.

أغلب الظن أن الرجل العادي بوسعه أن يتقبل فكرة أن الإنسان قادر على أن يصنع التاريخ، وفي الحقيقة فإن تلك الفكرة بحد ذاتها تبدو جذابة للجميع دونما استثناء، غير أن الناس يعلمون جيداً بأن التجارب الاجتماعية ليس محتماً أن تقود جميعها إلى دروب التقدم.. والقرن العشرون شاهد كبير على ذلك. لذا يبدو أن الفكر القائل بأن التاريخ يتجه دوماً إلى الأمام وإلى التقدم، يجد نفسه دوماً متعايشاً مع أفكار يرعبها التغير وتتطير من فكرة التبدل ذاتها، فيصبح الأمر أشبه ما يكون بالمشاحنة والتوتر ما بين قوة تدفع إلى الأمام وأخرى تشد إلى الخلف، ذلك الصراع يتمظهر بأشكال كثيرة وفقاً للثقافة وخصوصية المجتمع الذي تنشأ فيه. ففي العالم العربي، وتحديداً في النصف الأول من القرن العشرين، مع نمو حركة التنوير، مسخ هذا الصراع بين قوى تنشد العودة إلى الوراء وأخرى تتطلع إلى الأمام، إلى صراع عقائدي يستند إلى تلك المانوية القاتلة، فأصبح قيام المجتمع وسؤدده مرهوناً بالعودة إلى الصفاء الديني في ينابيعه الأولى ومن ثم اتخاذ الارتداد إلى اصالة تميزنا عن الآخر. في حين أن تيار التنوير قد آمن بأن التقدم والتحولات الكبرى، وإن كان الغرب سباقاً إليها، يمكن إنجازه بمعرفة عناصر القوة والفاعلية والانضباط التي ميزت العقل الغربي، وفي مطلعها مفاعيل حركة التنوير.. ولئن حسمت معركة التنوير في أوروبا منذ أمد طويل فإن رحى المعركة مازال دائرا في مجتمعاتنا العربية، وحقيق بنا القول أن الأصوليات على اختلاف نسخها قد سجلت اصابات مؤثرة، ما جعلها تتوهم نصرا مبينا، غير أن تلك المعركة طويلة ولا يكون حسابها إلا بعقود الزمن.

كاتب كويتي

ahmed.shehab@awan.com

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.