السبت    الاحد    الاثنين    الثلاثاء    الاربعاء    الخميس    الجمعة أعداد سابقة

الشجرة المدرسة... في بيئة ولا أروع



Saturday, 6 سبتمبر 2008
طرطوس- عاصم جمّول

في قرية تدعى «عين الكَرْم»، على بعد كيلومترات قليلة من محافظة طرطوس، وفي منطقة من أجمل مناطق الريف السوري وأكثرها ارتفاعاً، توجد شجرة عملاقة جداً عمرها مئات السنين وما تزال حية حتى الآن.

لهذه الشجرة قصص كثيرة تحكي ذاكرة أبناء المنطقة وتتعاقب عليها الأجيال جيلاً بعد الآخر حتى أصبحت الآن مزارا لكل عاشق لسحر الطبيعة، ويقصدها من يرغب في رؤيتها من أقاصي البلاد للاستمتاع بالجلوس تحتها والتقاط الصور بجانبها.

هذه الشجرة كانت في ما مضى مدرسة حقيقية قبل أن توجد المدارس في سورية، فقد كان الخطيب يجمع أولاد القرية الذين يتعلمون في الكتّاب ليجلسوا بداخلها ويتعلموا القراءة والحساب وتلاوة القرآن. وكان التلاميذ يدخلون إليها ويخرجون منها مع مدرّسهم الشيخ، وكانت لها فتحة في لحائها من الأسفل، ولكن مع مرور الزمن فقدت الشجرة وظيفتها كمدرسة فانغلقت الفتحة نتيجة استمرار نموها وبقيت الشجرة شاهدة على تلك الأجيال التي تخرجت منها.

هذه الشجرة هي من نوع «القطلب» الذي ينتشر كثيرا في تلك المنطقة ويبلغ قطرها حوالي 21 متراً ولا يعرفها سكان المنطقة الحاليون إلا بهذا الحجم، كما لم يعرفها آباؤهم وأجدادهم سوى بحجمها الحالي، ما يجعل عمرها يقدر ببضع مئات من السنين.

ولا عجب من وجود شجرة كهذه في منطقة تتمتع بطبيعة غنية ومياه وفيرة، فالشجرة تقع في ما يشبه الغابة، وتحيط بها أنواع مختلفة من الأشجار كالتين والجوز والدلب والحَوْر والتوت وغيرها. ورغم صعوبة الطريق إلى تلك القرية إلا أن الذهاب إلى هنالك يعتبر رحلة جميلة جدا.

فالطريق المتجه صعوداً يطلّ على واد سحيق في مشهد يأسر الألباب، حيث الغيوم تصبح على سوية واحدة معه في بعض الأماكن، إذ يزيد ارتفاع المنطقة عن الألف متر فوق سطح البحر.

والقرية «عين الكَرْم»، هي عبارة عن بيوت بسيطة متناثرة هنا وهناك يستغرب المرء كيف استطاع الناس الوصول إليها والاستقرار فيها منذ مئات السنين. لكن قضاء ساعة أو ساعتين بين الأشجار يكشف عن الجواب، فالهدوء يكاد يكون صمتا مطبقا لا يقاطعه سوى أصوات عشرات الأنواع من العصافير، ولا عجب في أن يختار الإنسان مكانا كهذا ليقضي فيه حياته كلها.

إلى جانب الشجرة العملاقة يوجد نبع ماء عمره مئات السنين أيضا، كما يقول السكان، ويكاد المرء يقسم أنه ينبع من ثلاجة لشدة برودته حتى في أكثر الفصول سخونة، وصوت نقيق الضفادع يمنح الزائر شعورا بالاطمئنان إلى أن مياه هذا النبع عذبة وغير ملوثة، فالضفادع كما هو معروف لا تعيش إلا في المياه العذبة الصافية. وقد بُني للنبع في الأعوام الفائتة ما يشبه الخزان الصخري في محاولة لحمايته من التلوث، وينساب الماء منه عبر أنبوبين معدنيين.

من يرغب في رؤية هذه الشجرة يستطيع أن يفعل ذلك ببساطة، فيذهب متجها من مدينة طرطوس الساحلية ليمر بقرية الشيخ بدر ثم وادي العيون، وبعد ذلك يأخذ الطريق الصاعد إلى قمم تلك الجبال ولا يوجد شخص في تلك المنطقة لا يعرف الطريق الموصل إليها.

أضف تعليقك

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع الوب وعناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.