مصاص دماء
![]() |
قرأت مرة عن أسرة كبيرة تم قتل أفرادها جميعا، ومعظمهم من الشباب، فرأيت أن حالة القتل هذه
لا يغيب عنها التخطيط والخبرة بالمكان، وكنت لا أتصور أن يكون القاتل فردا، لأن المسألة هنا ستدفعنا إلى الكلام عن قدرات ومهارات خارقة، لا تجتمع لدى شخص إلا بصورة خيالية، وهو الشيء الذي لا أقبله إلا من باب الفن، بينما نحن أمام أجساد مضروبة من دون رحمة تعددت في بعضها أدوات القتل، والمجرم في العادة يستخدم أداة واحدة، مسدسا مثلا، أو سكينا، ولم أسمع في حياتي أن مقتولا مات بالسم ثم أطلق الجاني عليه رصاصة في الرأس! لكني رأيت تعدد أدوات القتل في جسد الضحية في الأفلام، التي يندر وبشكل يبعث على الأسى أن تجد من بينها فيلما لم يُقتل فيه أحد أو يتوفى أو يهلك، حتى إننا نصفق للمطاردات وقفز البنايات وتبادل إطلاق النار وتحطم النوافذ وانقلاب السيارات والانفجارات، ونهتف للبطل الذي يتلاعب لكماً ورفساً بعشرين رجلا أو أكثر داخل مصنع أو في عمارة، وبعد كل هذا الزخم من العنف نخرج مستمتعين بقضاء وقت رائع.. حتى أطفالنا الذين لا تنحرف عيونهم عن الرسوم المتحركة، أذكر أنني كلما مررت بإخوتي الصغار وهم يتحلقون حول التلفزيون وجدت قتالا ومعارك بألوان فاقعة بين وحوش غريبة وآلات طائرة وشخصيات متحولة، كنت أدرك وهم في هذه السن أن الميل إلى العنف سيصبح جزءا أصيلا من كيانهم، ولم أجد شيئا جميلا في تلك الرسوم سوى مجيء الموت بمعنى ملطف، ناهيك بحكايات أبي وافتخاره ببطولات قديمة، بشر يحطمون رؤوس بشر، ويسحلونهم، ويبقرون بطونهم، ويصيبون بعضهم بعاهات مستديمة. وكان أحد أوجه مأساتي في هذا المنزل تلك اللحظات التي أضطر فيها للذهاب إلى المطبخ، حيث أجد طقما من السكاكين بأحجام متدرجة، وساطورا، ومسمارا، ويد هاون، وآلات حادة متنوعة الأشكال أظن أنها تستخدم لبعض الخضراوات، ما يجعلني أشرد في صور من العنف، فأرى أني أطعن الخادمة بلا سبب، وأجدع أنفها بمهارة عالية، مجرد خيال يعبر هكذا، حتى إني أتوجس من الزوايا الحادة والحواف ذات النتوءات، وارتاب من المربع بسبب أطرافه، والمثلث أكثر سوءا منه، أتصور أنه أداة طعن بثلاثة رؤوس، وأراه سكينا إذا كان فيه ضلعان متساويان والثالث أقصر، ولا تغيب عني هواجس جزّ الرقبة في صالون الحلاقة، وفرم الإصبع عند باب مفتوح، فصرت أتخيل الدماء في كل مكان، في كل ضربة أو ارتطام أو صوت حكّ، حتى في نظرات الناس الغاضبة، والكلمات الجارحة، والبذيئة، وأراه في العجلة، والتوتر، وفي العبوس والتجهم والصراخ، وفي الدموع، بل إن كلمات لوحدها تصبح عنوانا للدم، قوة، شجاعة، شهامة، نخوة، رجولة، حتى إنني في أحيان أرى الدم في ما وراء الابتسامة، وفي ذبذبات الضحكة، وأستشف اختلاطه بالكلام المعسول والأشعار الجزلة والمقالات الجريئة والبحوث والدراسات والنقد.. واللون الأحمر هو اللون الوحيد الذي لا يثبت في مخيلتي، ولا أستطيع فصله عن السيولة، إن كان على سجادة وإن كان في لوحة أو صحيفة أو أي مكان آخر. وأصبحت أتحاشى العصائر الحمراء كالفراولة والكرز والطماطم، إذ كلما شربت أحدها تخيّلت بعد بضع رشفات أنني مصاص دماء.




أضف تعليقك