مساجد الكويت.. أصالة في نسيج عمراني معاصر
![]() |
| مسجد الشيخة فاطمة في ضاحية عبدالله السالم |
مساجد الكويت اقل ما يمكن وصفها به انها تحف معمارية حديثة، تم اختيار نماذجها لتمثل العمارة الإسلامية المعاصرة وتظهر الجانب الحضاري والديني لدولة الكويت، تركزت معظمها في السابق حول قصر السيف بجوار البحر، وبعد ان امتدت عمارة الكويت العاصمة انتشرت معها بطبيعة الحال عمارة المساجد إلى عمق البر، وتأسيسا على ذلك فقد قيل إن أقدم المساجد هي التي بجوار البحر، والأحدث هو ما ابتعد عنه. ليس غريبا أن نجد أسماء المساجد بالكويت وقد اشتهرت باسماء الأسر والعوائل، وغالبا ما كان يتم تشييد هذه المساجد ضمن زمام سكن هذه الأسر، وكم تكلفت هذه الأسر من الأموال ومن الجهد، حيث إنهم كانوا يعملون بأيديهم في البناء وحمل خاماته تقربا إلى الله سبحانه وتعالى.
تفرد معماري
المساجد القديمة في الكويت بنيت بوسائل وأساليب غاية في البساطة، وبالرغم من ذلك فإن بناءها لم يخل من فن معماري له قواعده وأصوله، فالأسقف تجلس فوق حوائط حاملة بنيت من صخور خاصة جُلبت من على ساحل البحر، بعد تكسيرها بطريقة يدوية خاصة، وبأشكال وأحجام مناسبة، ثم تحُمل إلى مكان البناء، حيث يتم بناء الحوائط من مداميك، وتلصق هذه الأحجار بعضها البعض بالطين المستخرج من الأرض والمعجون بالماء، وبمساعدة أعمدة من كتل ضخمة من خشب السنديان المجلوب من الهند، وكان السقف يبنى على عدة خطوات، تبدأ بتشييد جسور من الخشب فوق الأعمدة والحوائط، لتشكل فيما بينها عقودا مسطحة مستقيمة، تقوم بدور الأقواس «عقود مسطحة» في العمارة العادية، مرورا بنصب أعمدة خشبية اسطوانية طويلة «الجندل» ذات أقطار في حدود 15 سم، كانت في الغالب تجلب من أفريقيا، وتتعامد على هذه الجنادل أعمدة أخرى تعرف باسم «الباسيجيل»، عبارة عن وصلات من خشب البامبو، بعدها يتم فرش حصيرة المنجور «المنقور» على أعواد الباسيجيل لتغطي السقف كله، ثم يتم تغطية كل ذلك بالطين، مع مراعاة الميل ناحية الميزاب لتصريف مياه الأمطار، وبعد اكتمال عملية التسقيف تكسى الحوائط بعد ذلك من الداخل والخارج بالجص الأبيض، وورغم بساطة البناء الا انه لا يخلو من بعض الزخارف البسيطة، ولكنها كانت ذات معنى فني مهم، وأبرز مثال على ذلك نجده في مسجد السوق الكبير بالمباركية. هنا يجب أن نلاحظ نظريتين مهمتين في ما يخص بناء هذه المساجد، اولاهما أن أهل الكويت كانوا يلجؤون الى استخدام خامات البيئة المحلية قدر إمكانهم دون الحاجة لجلب المزيد منها، وثانيهما أن طريقة البناء كانت هي الطريقة المناسبة للتعامل مع ظروف المناخ السائدة في الكويت.
حاليا تزخر الكويت وضواحيها بعدد وافر من المساجد المتميزة بعمارتها الاسلامية، هذه المساجد وان كانت في عمومها تمثل تحفاً معمارية بديعة، الا ان البعض منها اضافة الى بعده الجمالي حمل بعدا آخر تمثل في تاريخه الموغل في القدم، مما يمنحه افضلية.
من بين هذه المساجد:
{ مسجد ابن بحر
يصفه المؤرخون لتاريخ العمارة الاسلامية بشيخ المساجد الكويتية، فهو أول المساجد في الكويت، وقد ورد ذكره في كثير من المراجع والمصادر التاريخية التي تناولت بالذكر تاريخ المساجد في الكويت، وكان هذا المسجد قد هدمت نسخته الاولى وبني في مكانه بمنطقة المباركية مسجد حديث يحمل الاسم ذاته «ابن بحر»، موقعة مقابل قصر السيف حي القبلة، مؤسسه الشيخ إبراهيم بن عبدالله البحر سنة 1765م.
{ مسجد السوق الكبير
كان في السابق يقوم مقام مسجد الدولة الرسمي قبل بناء المسجد الكبير الحالي، حيث نجد على مداخله زخارف بسيطة في تكوينها بوحدات زخرفية ذات عناصر نباتية وهندسية وكتابية لم تخل من الجمال والفلسفة الفنية، بالرغم من أنها بسيطة، المسجد معروف بمسجد محمد حسين بن رزق، أحد أهم العمائر الأثرية الدينية في الكويت، أسسه المرحوم محمد بن حسين بن رزق في العام 1209 هـ، وتم تجديده مرات عدة، أولاها على يد المرحوم يوسف آل صقر العام 1255 هـ، والثانية قامت بها دائرة الأوقاف العام 1373هـ، ويتضح ذلك من لوحة الإنشاء الرخامية المثبتة على مدخل المسجد. تتميز زخارف مجموعة المنبر والمحراب في هذا المسجد بأنها عناصر زخرفية نباتية وهندسية وكتابية وعقود صغيرة وكوابيل وعمد رشيقة، وخصوصا على شرفة المنبر التي عملت من الجص المخرم على شكل نجمي.
{ مسجد الشيخة فاطمة
تحفة معمارية فريدة لا يوجد ما يماثلها في العمارة العربية القديمة والمعاصرة على السواء، فكل ما في هذا المسجد جديد ومبتكر، وهذا المسجد عبارة عن قبة مخروطية تقوم فوق بيت الصلاة، وهي من البلاستيك والبليكسي جلاس، ورقبة القبة هي جدار المسجد وفيها أبوابه ونوافذه، يحتوي المسجد على دور علوي يوجد فيه مصلى النساء ومكتبة وسكن العاملين.
اما المئذنة فهي جميلة ومبتكرة على شكل رأس الشمعة، وقد حقق المعماري براعة التوازن بين القبة والمئذنة وسائر العناصر، وكان هذا المسجد قبل افتتاح المسجد الكبير تقام به الاحتفالات المختلفة كالاحتفال بالعام الهجري والمولد النبوي.
{ مسجد الدولة الكبير
جمع في عمارته بين الأصالة والمعاصرة وتلبية جميع الاحتياجات سواء كانت تقليدية كمكان للصلاة والعبادة، او كمؤسسة تعليمية تساهم وخدمة المسلمين والمشاركة في الأعياد والمناسبات، وتسجيل المحاضرات، وأماكن انتظار السيارات وسهولة الصعود والهبوط إلى هذه الأماكن، وإدارة لجميع شؤون المسجد الدينية والإدارية والفنية.
من ناحية الأصالة، فقد تم الحفاظ على الشكل الإسلامي للمسجد «المئذنة، القبة، بيت الصلاة»، استخدام الفنون الإسلامية والمحافظة عليها في أحسن صورة، أعمال الخشب من مشربيات، والمنبر من خشب الساج المتين مع فن الحفر على الخشب، والأبواب من خشب الساج الهندي الذي حفرت عليه الآيات القرآنية بالخطوط المتنوعة والزخارف الهندسية، والجص المغربي والثريات الدمشقية من النحاس المؤكسد على شكل قناديل تتميز بألوانها الهادئة وأنوارها الملونة الجميلة، واستخدام الزليج المغربي (الفسيفساء) في أعمال الديكور خاصة في المحراب الرئيسي، وكذلك استخدام الخط العربي علاوة على نوافير المياه والشلالات التي تحيط بالمسجد، والزراعة وأشجار النخيل التي هي من خصائص البيئة العربية الإسلامية، عموما يمكن القول بأن المسجد الكبير قد احتوى على جميع الفنون الإسلامية من نقش وزخرفة وأعمال الخشب والجبس والخط العربي والثريات وأعمال النحاس وغيرها من الفنون، بحيث حقق العبارة المشهورة: العمارة هي أم الفنون.
{ روائع أخرى
يضاف إلى تلك القائمة من روائع العمارة الاسلامية، والمتجسدة فيما سبق ذكره من مساجد، كلٌّ من مسجد الفارس الواقع بمنطقة المباركية بجانب الصرافين، أسس هذا المسجد عالم الكويت وفقيهها الشيخ محمد بن عبدالله الفارس وأمَّ فيه المصلين، وبعد ذلك أم المصلين الشيخ عبدالرحمن بن محمد الفارس ومن بعده الشيخ عبدالوهاب عبدالرحمن الفارس، وكذلك مسجد العتيقي الكائن بمنطقة المرقاب، وعرف ايضا بمسجد المطران، وكان قد تبرع ببنائه جابر المطيري، ومن ثم تبرع السيد محمد بن عبدالله بن يوسف العتيقي فبناه على أرض كانت فضاء في عام 1892 م. ولايفوتنا ذكر التحفة المعمارية الحديثة المتمثلة في مسجد لولوة في منطقة الصباح الصحية بعمارته الفنية البديعة وزخرفاته الفريدة.
مساجد الكويت تمثل تحفاً فنية معمارية تستحق المحافظة عليها وتسجيل تاريخها، لأنها ميراث للأجيال القادمة، وهي تراث الغد.. ومن حق الأجيال القادمة معرفة تاريخها.
مسجد الشيخة فاطمة في ضاحية عبدالله السالم (تصوير: فيصل باشا)
أحد المساجد في منطقة السالمية (تصوير: حسني هلال)
من المساجد القديمة في العاصمة الكويت




أضف تعليقك