«الأرجل العاملة» في الأولمبياد الراحلة
إذن، بعد 36 عاماً من المشاركات البحرينية في الألعاب الأولمبية (اعتباراًَ من أولمبياد ميونخ 1972)، تنال البحرين ميداليتها الأولى على الإطلاق، وهي ميدالية ذهبية على كل حال، بعد أن سبق رشيد رمزي سباق الـ1500 متر منافسه الكيني، واستحق الميدالية.. ولكن هل استحقت المملكة نفسها هذه الميدالية؟
قبل سنوات استبقاني الموظفان الخمسينيان في مكتبهما الحكومي، حيث تتمطى ساعات الفراغ، وكانا قد انتهيا من اتفاق على ما يبدو.. فقالا «ألم تسمع بشركات الأيدي العاملة؟ نحن قررنا تأسيس شركة للأرجل العاملة»، وتوضيحاً لما عقدا العزم عليه شرحا مهمات هذه الشركة «إن كنت تريد الانتقام من شخص ما، ولكن لا تريد أن تتورط في ضربه، نحن نضربه نيابة عنك.. إن كنت خائفاً من عملية إزالة الزائدة الدودية ولا تحب المستشفيات والتخدير فلا تخف، سنبعث من يقوم بالعملية نيابة عنك.. افترض أنك عدت مرهقاً إلى البيت.. أبداً لا تحمل همّا.. لدينا من يقوم بالواجب..»، تضاحكنا طبعا وبقيت شركة الأرجل العاملة واحدة من علامات ساعات الفراغ التي تعانيها طبقات من موظفي القطاع الحكومي.
إلا أن هذه الطرفة عادت إلى الذاكرة وأنا أرى رمزي حاملاً علم البحرين ويجري به، وبعد دقائق كان ضيفاً على قناة الجزيرة الرياضية وكأنه أتى للتو من إحدى المدن المغربية، بلهجته السريعة التي تندغم فيها الكلمات، وتستبدل فيها بعض الحروف بأخرى، فأين البحرين من كل هذا، لأن الجنسية ليست أوراقاً تمنح، ولكنه انتماء يقتضي قضاء سنوات متتالية في البلاد، والتطبع بأطباعه، والتعود عليه، والاندغام في شرايينه، والتعرف على خصائصه، وكل هذا لم يحدث لا مع رمزي، ولا مريم جمال، ولا الآخرين الآتين طازجين من بلدان أفريقية.
ويبدو أن البحرين قد تبعت في هذا الشأن ما سبق وأن بدأته دولة قطر، من تجنيس للرياضيين من الدول الفقيرة لكي يحملوا اسمها، بدأت بلاعبي كرة القدم، فلم يستطيعوا نقل قطر من الإقليمية إلى الدولية، فذهبوا إلى الألعاب الفردية، فصار لديهم بلال، حامل الأثقال الآتي من أصول أوروبية شرقية، وثبت بعد ذلك تعاطيه المنشطات، وكذلك في هذه الدورة التي يمثلها صامويل فرانسيس، وفيليكس كيكاوي ضمن البعثة القطرية إلى بكين.. وكل هذا التسابق على التجنيس الرياضي من أجل الحصول على ميدالية في هذا المحفل العالمي، ولكن هل من فخر أو حتى فرحة حقيقية من أن يعمل الآخرون ما عليك عمله، وأن يقوموا بما يلزم أهل البلاد القيام به؟ أين الفخر في أن نضخ الأموال من أجل منح أحدهم جنسيتنا لينجز نيابة عنا ما لم يمكننا إنجازه.. إنها «الأرجل العاملة» حقاً. لا أدري ما الذي أخر الدول الخليجية الأخرى عن الدخول في هذا التسابق، وبعضها أغنى من الجارتين الأصغر في المنطقة، هل لقناعة بأن ما لم ينجزه الأبناء لا يمكن أن يؤتى بمن ينجزه عوضاً عنهم، أم أنهم لم يجدوا إلى الآن من يشترونه ليقدم إليهم الميداليات والشهرة المشتراة. لأن الاندغام في هذه الصناعة سوف تعمل على زيادة الدول الفقيرة فقراً في مواردها البشرية إذ يتسرب منها العلماء والحرفيون والجادون والذين يمكنهم أن يهدوا بلادهم إضافات نوعية، من أجل الحصول على وضعية معيشية أفضل. بينما تكتنز الدول الغنية وذات الوفورات المالية كل شيء وتحتكره، من علوم النانوتكنولوجي والفضاء والأبحاث، وصولاً إلى الرياضيين لتكتمل الحلقة بالتفوق في كل المناحي، فلا يخفى على أحد من متابعي الأولمبياد الماضية (وكذلك كل الدورات التي سبقتها) نوعية السباق والتشفي بين القوى المختلفة. فبعد أن كان التسابق يشبه الحرب بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، تحول السباق اليوم بين هذه الأخيرة والصين، فالتفوق يبعث رسالة ذات مغاز متعددة، ولكن ما الرسالة التي تريد أن توصلها البحرين أو قطر عبر الفوز ببعض الميداليات، وربما عدم الفوز أيضاً كما حدث مع قطر، وإلى من يريدان إيصالها بالنتائج الأكثر من متواضعة هذه.
أفترض أن بزوغ نجم بطل على المستوى المحلي، يشجع الكثير للاقتداء به وتمثل سيرته ومسيرته، ومن هؤلاء المهووسون بالنماذج المحلية المشرفة، يمكن أن يتوالى الأبطال وتتوالى البطولات ويستمر تناقل المشاعل عبر الأجيال. غير أن نظرة فاحصة للمزاج العام هنا في البحرين يقوم عكس ذلك، إذ لا يفوت هنا أن صعود رقية الغسرة -البحرينية كابراً عن كابر- إلى الدور الثاني من تصفيات سباق الـ 200 متر عدواً، كانت أكثر وقعاً نفسياً من فوز رمزي بالذهبية الأولى للبحرين والثانية للعرب في هذه الدورة. ذلك أنهم يشعرون أن هذه العداءة تمثلهم حقاً، تمثل جيناتهم وما هم عليه من دون إضافات أو محسّنات، واحدة تحمل سمارهم وملامحهم ولسانهم، يغفرون لها إخفاقها ويكفيها شرف المحاولة، أما المجنّسون رياضياً، فلا تغفر لهم الصحافة، وتبدأ في مهاجمتهم على إخفاقهم، متناسين كل البطولات التي رفعوا فيها اسم بلادهم قبل هذه المسابقة، إذ تبقى النظرة إليهم قاصرة، والفرحة منتزعة غير كاملة.
شركة «الأرجل العاملة» تتحول من الرياضة إلى كل المناحي التي لا يتمكن أهل هذا الإقليم من الإتيان به، إما كسلاً أو ترفعاً (وليس عجزاً فليس لأحد فضل على الآخرين في الذكاء والمعرفة والمقدرة البشرية)، فيتم اكتراء جهد الآخرين مع وجود خطط ضعيفة وعاجزة عن الاستفادة الحقيقية من هذه الطاقات لخلق الصفوف التالية القادرة على التمكن من الصنعة والأخذ بها ونمذجتها محلياً، كما فعلت جحافل التعلم اليابانية حينما قامت أولاً بنقل النماذج الصناعية نسخاً كربونية، ثم ما فتئوا أن أجادوا الأصل، وصار هناك مجال للإبداع والتجاوز.
غير أن النماذج التي نراها هنا في المنطقين البحريني والقطري تسير في اتجاه ربما ينفر أهل البلاد من الانغراس في هذه المجالات، وربما يجدون من يكفيهم المشقة ما دامت أرحام الدول الفقيرة تدفع، وأموال النفط تبلع، ونموذج «الأرجل العاملة» هو الأكثر رواجاً، لأنه الأسهل، وإن لم يكن الأجدى.
كاتب من البحرين





أضف تعليقك